العدد : ١٤٧٥٩ - الاثنين ٢٠ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٥٩ - الاثنين ٢٠ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

الاسلامي

الإمام محمد الخضر حسين التونسي الذي رفعه علمه وخلقه وجهاده إلى مشيخة الأزهر (35)

الجمعة ٢٧ يوليو ٢٠١٨ - 10:18

بقلم: د. غريب جمعة

معركة الشيخ مع كتاب «الفن القصصي في القرآن»

 قالت كُوَيْتِبةٌ ننزه القلم عن ذكر اسمها في جرأة لا تنقصها القحة – إن رؤيا إبراهيم أنه يذبح ولده اسماعيل لا تزيد عن «كابوس»!! أصاب رجلاً في نومه فأبى الرجل (هكذا!!) إلا أن يجعل كابوسه واقعًا مشهودًا فهم بذبح ولده معتقدًا أن ذلك مما أوحاه الله إليه. وكم كنا نود أن نطلع على كل ما سطره قلم هذه الكويتبة التي تجاوزت حدود الأدب مع كتاب الله ومع رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

وما نطقت به كويتبة الكوابيس اليوم ما هو إلا صدى لأصوات متعددة جادلت بالباطل لتدحض به الحق في الماضي ولكن يأبى الله إلا أن يقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق والويل ثم الويل لهؤلاء.

لقد ذكرتنا هذه «الكويتبة» بما جاء في رسالة بعنوان «الفن القصصي في القرآن» قدمها طالب بالجامعة المصرية للحصول على لقب دكتور في الأربيعينيات من القرن العشرين.

وقد ثار جدل عنيف وحاد على صفحات الجرائد المصرية حول هذه الرسالة هذا يعدها من قبيل الالحاد في آيات الله وذاك يقف بجانبها ويدافع عنها لرضاه عما جاء فيها بينما يقف فريق يحاول معرفة وجه الحق فيما يتجادل فيه الفريقان.

ماذا قال الإمام الجليل؟

قال رحمه الله: ولما تجمع لدى تقرير الأستاذ أحمد أمين أحد أعضاء اللجنة التي أُلفت لفحص الرسالة وقد نشرته مجلة الرسالة، وما نشره عضو آخر في جريدة أخبار اليوم وهو الراضي عن الرسالة بل هو الذي وضع المنهج الذي سار عليه صاحب الرسالة في درس القرآن ثم ما نشره صاحب الرسالة نفسه ونشرته مجلة الرسالة. لمَّا تجمع لدى ذلك رأيت أن اكتب كلمة بحسب ما اطلعت عليه في الصحف وفيه الكفاية.

صدَّر الأستاذ أحمد أمين تقريره بالعبارة الآتية:

“وقد وجدتها رسالة ليست عادية بل هي رسالة خطيرة أساسها أن القصص في القرآن عمل فني خاضع لما يخضع له الفن من خَلْق وابتكار من غير التزام لصدق التاريخ. والواقع أن محمدًا فنان بهذا المعنى «ثم قال: وعلى هذا الأساس كتب كل الرسالة من أولها إلى آخرها وإني أرى من الواجب أن أسوق بعض أمثلة توضح مرامي كاتب هذه الرسالة وكيفية بنائها».

ثم أورد الأستاذ أحمد أمين أمثلة منتزعة من الرسالة تشهد بما وصفها به في هذه العبارة المجملة

جاء في التقرير ما يأتي:

«يرى – يعني: كاتب الرسالة – أن القصة في القرآن لا تلتزم الصدق التاريخي وإنما تتجه كما يتجه الأديب في تصوير الحادثة تصويرًا فنيًا، بدليل التناقض في رواية الخبر الواحد مثل: أن البشرى بالغلام كانت لإبراهيم أو لامرأته بل تكون القصة مخلوقة. «وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس (المائدة: 116)... الخ وما بعدها».

رد الإمام: ما يَرِدُ في القرآن على وجه الإخبار لا يكون إلا موافقًا للواقع هذا ما يقتضيه الإيمان بأنه تنزيل من عليم حكيم، ولو أجزنا أن يكون فيه أقوال غير مطابقة للواقع لكان معنى ذلك: أن من أقواله ما يكون كذبًا وليس الكذب سوى عدم مطابقة الكلام للواقع وإذ كان الفضلاء من الناس يتبرأون من أن يقولوا زورًا ويعدونه في أقبح الرذائل المزرية بالإنسانية، فما كان لنا أن نلصقه بكلام ذي العزة والجلال ناظرين إلى مقام الربوبية كما ننظر إلى شاعر أو كاتب قد يعجز عن أن يظهر براعته الفنية في الحوادث الواقعة تاريخيًا.

يصف كاتب الرسالة الكتاب الحكيم بالتناقض في رواية الخبر الواحد مستدلاً بذلك على أنه لا يلتزم الصدق التاريخي ويقول «بدليل التناقض في رواية الخبر الواحد مثل: ان البشرى بالغلام لإبراهيم أو لامرأته.

رد الإمام: التناقض في الأخبار: أن يختلف الخبر بالإيجاب والسلب مع اتحادهما فيما عدا ذلك ويلزم من صدق أحدهما كذب الآخر كأن تقول: بشرت زيدًا بقدوم ابنه ثم تقول: لم أبشر زيدًا بقدوم ابنه ومثل هذا الضرب من الكلام لم يقع في الآية الكريمة وإنما ورد: أن الله تعالى بشر عن طريق الملائكة إبراهيم عليه السلام – بغلام قال تعالى «فبشرناه بغلام حليم» (الصافات: 101) وفي آية أخرى: «وبشرناه باسحاق نبيًا من الصالحين» (الصافات: 112)

وفي آية أخرى «إنا نبشرك بغلام عليم» (الحجر: 53) وورد في آية أخرى: «وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب» (هود: 74). ومن المعقول أن تبشر الملائكة إبراهيم عليه السلام ثم يبشروا أمرأته بغلام هو اسحاق، فيذكر في آية أنهم بشروا إبراهيم ويذكر في آية أخرى أنهم بشروا به امرأته، ومن ذا الذي يتوهم أن في مثل هاتين البشارتين شيئًا من التناقض أو ما يشبه التناقض؟!

يزعم كاتب الرسالة أن القرآن يختلق بعض القصص فقال: «بل تكون القصة مخلوقة كقوله: «وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت؟» (المائدة: 116)

ولا ندري ما الدليل الذي ينهض أمام هذه الآية ويدل على أن القصة المشار إليها مخلوقة غير واقعة، فلم يرد نص تاريخي ينفي ما اشتملت عليه القصة من خطاب الله تعالى لعيسى وجواب عيسى عليه، ولم يقل الله تعالى لا صراحة ولا تلويحًا إن هذه القصة مخلوقة وغير واقعة وليس في القصة معنى يحكم العقل المنطقي باستحالته.

وقال كاتب الرسالة –بحسب ما جاء في التقرير: «إن الإجابة عن الأسئلة التي كان يوجهها المشركون إلى النبي ليست تاريخية ولا واقعية، وإنما هي تصوير نفسي عن أحداث مضت أو أغرقت في القدم سواء كان ذلك الواقع متفقًا مع الحق والواقع أم مخالفًا له ص28».

رد الإمام: نتحدث مع صاحب الرسالة في هذا الموضوع الديني باعتباره مسلمًا، فنقول: قد قام الدليل القاطع على أن القرآن كلام الله وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بلغ ما أنزل إليه من ربه، فكل ما جاء في القرآن من خبر فهو صادق وإنما الصدق مطابقة الكلام للواقع ونستند في الجزم بصدق أخبار القرآن إلى الدليل القائم على صدق رسول الله في دعوى الرسالة والدليل القائم على أن القرآن وحي من الله -جل شأنه- ولو كان القائل «إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما يصور واقعًا في نفسه سواء كان ذلك الواقع متفقًا مع الحق والواقع أم مخالفًا له» لا ينتمي إلى الإسلام لقلنا نحن معنا أدلة قاطعة على أن القرآن لا يقول إلا حقًا، فإن أبيت أن تصغي إليها بأذن واعية، فاعمد إلى قصة من قصص القرآن وأقم على أنها مخالفة للحق دليلاً يقره المنطق ويتقبله العقل.

ثم نحن لا ندري من أين عرف كاتب الرسالة أن إجابة النبي صلى الله عليه وسلم أسئلة المشركين لم تكن تاريخية ولا واقعة!، فقد يهمل التاريخ أحداثًا فلا يدل عليها لا صراحة ولا رمزًا ولكنه لا يستطيع أن يأتي إلى أحداث أخبر عنها القرآن ويحكم عليها بأنها غير واقعة حكمًا يدخل إليه من باب الإنصاف. 

قال كاتب الرسالة: «والقرآن يقرر أن الجن تعلم بعض الشيء، ثم لما تقدم الزمن قرر القرآن أنهم لا يعلمون شيئًا (ص29) والمفسرون مخطئون حين يأخذون الأمر مأخذ الجد (ص30)».

رد الإمام: لم يقرر القرآن أن الجن لا يعلمون شيئًا وإن قال في قصة وفاة سليمان عليه السلام «ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين» (سبأ: 14) فالآية إنما نفت عن الجن علم الغيب، وهو ما يحصل للعالم ذاته ومن هنا كان مختصًا بالخالق – جل شأنه – قال تعالى «قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله» (النمل: 65) فدلت الآية على أن علم الغيب خاص به تعالى وأما غيره فلا يعلم الأشياء الغائبة عنه بذاته، وإنما يعلم منها ما يعلمه الله به كما قال تعالى «عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا، إلا من ارتضى من رسول» (الجن: 26- 27).

ومن هنا نفهم كيف ينفي النبي -عليه السلام- عن نفسه علم الغيب مع أن الله قد أظهره على أشياء كثيرة كانت غائبة عنه فقال: «ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء» (الأعراف: 188). فنفى علم الغيب عن الجن لا ينافي أنهم يعلمون بعض الأشياء بطريق من طرق العلم الخفية.

قال كاتب الرسالة: الأنبياء أبطال ولدوا في البيئة، وتأدبوا بآدابها وخالطوا الأهل والعشيرة وقلدوهم في كل ما يُقال ويُفعل، وآمنوا بما تؤمن به البيئة من عقيدة ودانوا بما تدين به من رأي وعبدوا ما يُعبد من إله (ص27)».

رد الإمام: أجمع المسلمون على عصمة الأنبياء من الكفر قبل النبوة وبعدها. ولكن كاتب الرسالة يقول: إنهم قلدوا الأهل والعشيرة في كل ما يقال ويُفعل وأمنوا بما تؤمن به البيئة من عقيدة وعبدوا ما يعبد من إله.

وإنما يقول هذا ويخرج عن إجماع المسلمين من استطاع أن يملأ يده من نقل مقبول ودليل معقول والكاتب لا يملك ذلك وإنما هي دعوى عارية من كل شاهد أسرف فيها الكاتب حتى سوى الأنبياء بالمشركين فقال «وقلدوهم في كل ما يقال ويُفعل»!.

قال كاتب الرسالة: تصوير أخلاق الأمم –كبني إسرائيل– ليس بضروري أن يكون واقعًا بل يصح أن يكون تصويرًا فنيًا يلاحظ الواقع النفسي أكثر من صدق القضايا... إلخ (ص57)».

رد الشيخ: القرآن وحي سماوي، فإذا وصف أخلاق أمم كبني إسرائيل دلَّ بالضرورة على أن وصفهم بتلك الأخلاق واقعي، ومن ادعى أن القرآن غير صادق فيما وصف فليأت بآية وصفت بعض الأمم بأخلاق ودلت الرواية أو الدراية على أن هذا الوصف غير مطابق للواقع.

(وإلى حلقة قادمة إن شاء الله مع هذا الكتاب المليء بالجرأة على الله وآياته). 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news