العدد : ١٤٨٢١ - الأحد ٢١ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٢ صفر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٢١ - الأحد ٢١ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٢ صفر ١٤٤٠هـ

الاسلامي

السعادة الحقيقية (1)

الجمعة ٢٧ يوليو ٢٠١٨ - 10:15

بقلم: د.علي أبو هاشم

إن كلمة السعادة من الكلمات التي تبعث في النفس الطمأنينة والسكينة، وتبعث فيها الأمل وتُجدد فيها النشاط، وتقوي فيها الهمة والعزيمة، فيسعى العبد طلبا لرضا الله ورحمته ومغفرته ورضوانه، لأن المؤمن يوقن أن كمال السعادة بطاعة ربه، واتباع رسوله، وأن ما يبقى خير مما يفنى، يقول تعالى: «وللآخرة خير لك من الأولى* ولسوف يُعطيك ربك فترضى». (الضحى 4-5)، ويقول تعالى: «ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون» (النحل- 96)، وكان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين يسألون الرسول          -صلى الله عليه وسلم- عن أُمور الدنيا والآخرة، وكان أبو هريرة -رضي الله عنه- حريصا على ملازمة الرسول والتعلم منه وسؤاله عما ينفعه في الدنيا والآخرة، فسأل أبو هريرة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ أخرج البخاري في صحيحه بسنده عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ: مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لاَ يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ. وفي رواية أُخرى: خالصا من قلبه. فكان الصحابة يسألون عن السعادة الدائمة الحقيقية التي تكون في الآخرة، فسأل أبو هريرة. رضي الله عنه. عن أسعد الناس يوم القيامة بشفاعة الرسول، فبين له الرسول. صلى الله عليه وسلم. أن أسعد الناس بشفاعته يوم القيامة: من سلمت عقيدته من شوائب الشرك، ومن أخلص في إيمانه بالله تعالى، إن شفاعة الرسول. صلى الله عليه وسلم. حق وهي ثابتة بالكتاب والسنة، يقول تعالى: «من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه». (سورة البقرة: 255)، ويقول تعالى: «ولا يشفعون إلا لمن ارتضى». (الأنبياء- 28)، وقد أذن الله لرسوله محمد. صلى الله عليه وسلم. ورضي له الشفاعة، أخرج أحمد في المسند بسنده عن بن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي، ولا أقولهن فخرا، بُعثت إلى الناس كافة، الأحمر والأسود، ونُصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأعطيت الشفاعة فأخرتها لأمتي، فهي لمن لا يشرك بالله شيئا. وشفاعة الرسول التي يرجوها المسلم لا تكون إلا لمن اتبع هدي الرسول، وواظب على الطاعات واجتنب المنكرات، وابتعد عن الشرك الظاهر والخفي، فأخلص في عبادته كما قال تعالى: «فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يُشرك بعبادة ربه أحدا». (الكهف - 110)، والمؤمن حين يعمل الطاعات ويتقرب إلى الله بعمل الحسنات فإنه يفرح بهذه الطاعة، وإذا أخطأ ووقع في لوث المعصية فإنه يحزن ويستاء لها ويندم على فعلها، هذا الذي يسعد في آخرته، لأنه غير مُصر على المعاصي، ولأن الرسول. صلى الله عليه بشره ببحبوحة الجنة، أي سعة ونعيم الجنة، فهنيئا لمن سرته حسنته، وساءته معصيته، أخرج الترمذي بسنده عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب قام فيهم خطيبا ذات يوم وقال: سمعت من رسول الله وذكر حديثا طويلا وفي آخره. ومن أراد بحبوحة الجنة فيلزم الجماعة، من سرته حسنته وساءته سيئته، فذلك المؤمن. فالمؤمن إذا فعل حسنة استبشر وفرح واطمأن قلبه، واشتاق لتكرار الحسنات والسعي إليها، لأنه يرى فيها سعادته، ولذته، وهذا هو المؤمن، وإذا مرت به لحظات من الضعف البشري ووقع في معصية فإنه يهتم لذلك ويعلوه الكدر، فيُبادر بالتوبة والرجوع إلى الله، وهو كما وصفه الله تعالى فقال: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ. (آل عمران- 135)، وكما قال أهل العلم: إنه لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار. فالسعيد حقا من إذا أحسن استبشر ووجد لذة الطاعة في قلبه، ولذا فهو يقوم الليل ويُنفق المال في سبيل الله، ويجد بذلك لذته وسروره، لأن سعادته في أعمال الإيمان، ليقينه أن هذه الدنيا فانية، والمؤمن من إذا أساء وأخطأ استغفر وندم وعزم على عدم العودة للذنب، فبادر أيها المسلم وسارع إلى التوبة والاستغفار من قبل أن يأتي وقت لا يمكنك فيه ذلك، ولله در من قال: 

بادر بخير إذا ما كنت مقتدرا... فليس في كل وقت أنت مقتدر.

وقال غيره: ليس في كل ساعة وأوان... تتهيأ صنائع الإحسان.

وإذا أمكنت فبادر إليها... حذرا من تعذر الإمكان. 

وقد بشر القرآن هذا الصنف من الناس وهم أهل الإيمان الصادق، بالأمان يوم القيامة، فلا يخافون إذا خاف الناس ولا يفزعون إذا فزعوا، كما تتلقاهم الملائكة يوم القيامة بالبشرى هذا يومكم الذي وعدناكم وطالما انتظرتموه، ورجوتموه. يقول تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ. لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ. لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ». (الأنبياء: 101- 103)، ويا لها من سعادة ويا له من فوز عظيم، هذه هي السعادة الحقيقية التي يطلبها ويرجوها كل مؤمن صادق الإيمان.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news