العدد : ١٤٨٢٠ - السبت ٢٠ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١١ صفر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٢٠ - السبت ٢٠ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١١ صفر ١٤٤٠هـ

رسائل

الحلـم القومي العربـي ودروس تجربـة الـوحـدة المصريـة-السوريـة

القاهرة: وكالة الصحافة العربية

الاثنين ٢٣ يوليو ٢٠١٨ - 01:15

 

كان بروز فكرة الوحدة العربية إحدى ثمار ثورة 23 يوليو والخط الثوري القومي للرئيس جمال عبدالناصر الذي استطاع بخطابه العروبي التحرري أن يؤجج أحلام الوحدة العربية لدى الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج وأصبح حلم الوحدة هدفا استراتيجيا تسعى إليه الأمة العربية بكل حماس وأشواق وجدانية مخلصة.

 ولذلك لم يكن غريبا أن تتحقق أولى التجارب الوحدوية العربية بعد مرور 6 سنوات فقط على تفجر ثورة 23 يوليو تحت قيادة الزعيم جمال عبدالناصر عام 1952، وكانت تلك التجربة هي قيام دولة الوحدة المصرية السورية التي سميت «الجمهورية العربية المتحدة» عام 1958.

 ولعل من المهم تسليط الضوء على هذه التجربة (الوحدة) والدروس المستفادة منها، وهو ما نستعرضه في التقرير التالي: 

أعلن في يوم 22 فبراير 1958 قيام الجمهورية العربية المتحدة، وهو المسمى الرسمي للوحدة بين مصر وسوريا، والتي استمرت ثلاث سنوات حملت فيها نموذجا واقعيا للوحدة العربية بإيجابياتها وسلبياتها، كواحدة من أهم المحطات في تاريخ العرب الحديث، ومحاولة لتوحيد الدول العربية، والتي تشير إلى الكثير من الدلالات، مع ما يمر به الوطن العربي من تقسيم لدوله وإضعاف لمكوناته.

كان حلم الترابط العربي يلاحق الرئيس الراحل جمال عبدالناصر منذ توليه رئاسة مصر في عام 1954، وبدأ ذلك الحلم يتحقق على أرض الواقع بتوقيع ميثاق الجمهورية المتحدة من قبل الرئيسين السوري شكري القوتلي والمصري جمال عبدالناصر في عام 1958، واختير عبدالناصر رئيسا والقاهرة عاصمة للجمهورية الجديدة، وتم توحيد البرلمانين المصري والسوري في مجلس الأمة عام 1960، وألغيت الوزارات الإقليمية لصالح وزارة موحدة في القاهرة.

وعلق عبدالناصر على الوحدة بين مصر وسوريا في كلمته بعد قيام الجمهورية العربية المتحدة: «اليوم قامت دولة كبرى بالشرق.. فاشتعلت مخاوف الغرب ومؤامراته». 

واعتبر الكثيرون أن الوحدة العربية بين سوريا ومصر كانت نتيجة للمطالبة الدائمة لمجموعة من الضباط السوريين، في وقت كان فيه قادة حزب «البعث العربي الاشتراكي» يهيئون الأجواء من أجل الاتحاد مع مصر، حيث يقول المؤرخ البريطاني المتخصص في شؤون الشرق الأوسط «باتريك سيل»: إن جمال عبدالناصر لم يكن متحمسا لوحدة عضوية مع سوريا، ولم يكن يطمح لإدارة شؤون سوريا الداخلية حتى لا يرث مشاكلها.

وأضاف: كان بالأحرى أن ينادي بالتضامن العربي الذي بموجبه يقف العرب وراءه ضد القوى العظمى، وكانت هذه فكرة مختلفة تماما عن برنامج البعث الوحدوي الداعي إلى تحطيم الحدود، لكنه لم يستطع أن يأخذ شيئا ويدع شيئا، وهكذا دفعه السوريون دفعا إلى الموافقة على قيام الجمهورية العربية المتحدة.

وانتهت الوحدة العربية بعد ثلاثة أعوام فقط من تأسيسها، بفعل انقلاب عسكري قام به ضباط سوريون في دمشق يوم 28 سبتمبر 1961، وأعلنت سوريا قيام الجمهورية العربية السورية، في حين احتفظت مصر باسم الجمهورية العربية المتحدة حتى عام 1971، عندما تحول اسمها إلى جمهورية مصر العربية.

وذكر الكاتب الراحل محمد حسنين هيكل في كتابه «ماذا جرى في سوريا»، رموز الانقلاب على الوحدة، وهم المقدم حيدر الكزبري، الذي قام بمحاصرة منزل المشير عبدالحكيم عامر بالمدرعات، والمقدم عبدالكريم النحلاوي مدير مكتب القائد العام لشؤون الجيش الأول، وقد كان من قادة الانقلاب رغم كونه موضع ثقة.

وبحسب ما رواه عبدالكريم النحلاوي في حوار عام 2001، فقد حاول عبدالناصر بالفعل القضاء على الانفصال وقام بمحاولات عدة، وكان جادّاً في مقاومة الانفصال عسكرياً، حيث إنه أرسل قوات عسكرية محمولة جوا من مصر إلى اللاذقية للقضاء على الانقلاب عسكرياً، إلا أن تدخل الروس وإبلاغ سفير الاتحاد السوفييتي في مصر عبدالناصر رسالة شفهية عاجلة من الكرملين تقول للرئيس الراحل «دع سوريا وشأنها»، هو ما دفع عبدالناصر إلى وقف محاولاته للحفاظ على الوحدة، والرضوخ للواقع الجديد، وهذا كان السبب الخفي الذي جعل عبدالناصر يأمر بإعادة بقية أسراب الطائرات إلى قواعدها في مصر، ويأمر قائد السرب جلال هريدي بتسليم نفسه وعناصره من المظليين إلى السوريين من دون مقاومة.

وعلى الرغم من عدم نجاح تجربة الوحدة وانهيار الجمهورية العربية المتحدة بعد 3 سنوات فقط من قيامها، فإن الكثير من الباحثين والسياسيين اختلفوا حول تقييم تلك المرحلة من التاريخ العربي، وتتباين الآراء بين مؤيد يصفها بالنجاح، وآخر معارض يصفها بالفشل. 

يقول عبدالغفار شكر نائب رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي: إن عبدالناصر لم يكن موفقاً بشكل كبير في إتمام الوحدة بهذه الطريقة، إلا أن الضغوط السورية هي ما أجبرته على القبول بالوحدة، مع عدم توافر المقومات الرئيسية لها، وهو ما أدى إلى فشلها وانهيار الجمهورية المتحدة سريعا، لافتاً إلى أن الوحدة المصرية السورية جاءت في ظروف مدّ قومي عقب تخلص الدول العربية من الاستعمار وحاجتها إلى الحماية وتأمين استقلالها.

وتابع: الوحدة بين مصر وسوريا تمت وفق ثلاثة أنساق: النسق الداخلي السوري في البحث عن مُحكّم بين الطوائف المختلفة، ونسق خارجي، فقد كانت سوريا تقع بين حلفين، حلف الناتو الذي يضم تركيا وحلف بغداد، والنسق العاطفي بما تمثله القومية من قيمة عند السوريين، ما جعلها تنجح في البدايات وتحظى بترحيب كبير من الشعبين المصري والسوري، بل من كل الشعوب العربية، مؤكداً صعوبة تشكيل وحدة عربية في هذا التوقيت، نتيجة انقسام الدول العربية على نفسها بسبب الصراعات القبلية والعرقية الموجودة داخلها.

ويضيف شمس الدين الكيلاني الباحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات: عندما طرح جمال عبدالناصر نفسه عام 1952 كصاحب مشروع عروبي تجاوبت سوريا مع ذلك، وتنامت مشاعر العرب بشكل عام، والسوريين بشكل خاص مع مصر، وخصوصا مع العدوان الثلاثي عام 1956، ما أنتج تجربة الوحدة، موضحا أن مصر بالنسبة إلى السوريين كانت تمثل زادا ثقافيا، لكنها لم تكن تمثل نموذجا للحكم، لافتاً إلى أن الأغلبية الكبيرة من الشعب السوري كانت مع الوحدة، إلا أن رغبة عبدالناصر في تطبيق نظام الحكم المصري بسوريا التي كانت تعيش وقتذاك تجربة ديمقراطية وتعددية سياسة أدت إلى فشل الوحدة وانهيار الجمهورية العربية، مؤكداً أنه من غير الممكن قيام وحدة من دون تحرير إرادة الشعوب، وحقها في حكم نفسها ورسم مستقبلها.

وعن أسباب فشل تجربة الوحدة بين مصر وسوريا، تشير د. كريمة الحفناوي، الأمين العام السابق للحزب الاشتراكي المصري، إلى أنه من أهم أسباب الانفصال وانهيار الوحدة بين الدولتين اختلاف النظام السياسي وطريقة الحكم في كلا البلدين، حيث قام عبدالناصر بإلغاء الأحزاب السياسية، ما أدى إلى تأثير سلبي على التعددية السياسية في سوريا، بالإضافة إلى قيامه بتأميم البنوك الخاصة والشركات الصناعية الكبرى ونزوح الكثير من العمالة المصرية إلى مدن الإقليم الشمالي، واختلال توازن قوى العمل، فضلاً عن المؤامرات العديدة، التي كانت تزخر بها المنطقة العربية من مختلف الأطراف، والتي جعلت الوحدة على غير استقرار، ولم يكن من شيء ليوقف تداعيها، بل ربما لم يوجد في الجوار العربي سلطة ترغب في استمرارها، موضحاً أنه على الرغم من عدم نجاح تجربة الوحدة وانهيار الجمهورية العربية المتحدة، فإن هناك ما تم إنجازه في عهد الوحدة، في مقدمته بداية مشروع «سد الفرات» في سوريا، والذي كان موازيا لمشروع السد العالي، إضافة إلى حماية سوريا من تهديدات الأحلاف التي كانت تتربص بها، ومثلت السبب الرئيسي وراء قيام دولة الوحدة. 

ومن جانبه، يؤكد محمد أبوالعلا، رئيس الحزب الناصري، أنه أياً كانت إيجابيات الوحدة أو سلبياتها، فإننا مازلنا في أشد الحاجة لها، فحتى الآن ندفع ثمن تفكك تلك الوحدة، مشيراً إلى أنه على كل الدول العربية أن تتوحد من جديد وتلتف حول بعضها من خلال الجامعة العربية. وتابع أبوالعلا: التوحد بين الدول العربية أصبح ضرورة لمواجهة التحديات التي بدأت بمعاهدة «سايكس بيكو» عام 1916، حيث تم تقسيم الدول العربية على نظيرتها الأوروبية، فالعالم العربي يواجه الآن استعمارا عالميا متوحشا تقوده الولايات المتحدة لتفكيك الدول العربية وتقسيم المنطقة.

 

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news