العدد : ١٤٧٦١ - الأربعاء ٢٢ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ١١ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٦١ - الأربعاء ٢٢ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ١١ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

بصمات نسائية

التطوع أخرجني من الظلام وأضاء لي طريق السعادة

أجرت الحوار: هالة كمال الدين

الأربعاء ١٨ يوليو ٢٠١٨ - 09:43

حاصلة على وسام الكفاءة الملكي.. صاحبة تجربة إنسانية مبهرة مع الإعاقة البصرية.. مؤسسة لجنتي التوظيف والمرأة بجمعية الصداقة للمكفوفين.. بصدد إطلاق أول مشروع من نوعه للمساج بالمنطقة..  شريفة عبدالله لـ«أخبار الخليج»:


«إن القوة لا تأتي من قوة جسمانية بل تأتي بها إرادة لا تقهر» 

هكذا يقول المهاتما غاندي، وهكذا تؤكد تجربة هذه المرأة الإنسانية المبهرة مع الإعاقة البصرية، والتي تجسد في تفاصيلها تلك المقولة التي ترى أن الأعمى هو أعمى البصيرة وليس البصر، فقد عوضها العزيز القدير بكثير من المهارات والقدرات التي عَبَرت بها جميع الحواجز والقيود، وأهلتها لأن تصبح نبعا لا ينضب من العطاء.

شريفة عبدالله، حرَمَها القدر من نعمة البصر، لكنها لم تشعر قط بإعاقتها، فقد قررت أن تستثمرها في مساعدة الآخرين، حتى أصبح لها باع طويلا في الأخذ بأيادي المكفوفين، الذين تراهم يتفوقون أحيانا على الأسوياء بذلا واجتهادا، لذلك استحقت عن جدارة نيل وسام الكفاءة الملكي وتكريم أميرة البحرين في يوم المرأة البحرينية. 

إن أعظم شيء يتفوق به الإنسان على كل ما في الوجود هو موهبة التحدي، فمن يتحدى هو من يعيش، فما قصة التحدي التي عاشتها؟ وأين وجدت ضالتها؟ وكيف أنارت طريقها إلى السعادة؟ وما هي الأحلام والطموحات التي مازالت تحملها في جعبتها، وأسئلة أخرى عديدة حاولنا الإجابة عنها في الحوار التالي:

كيف كانت طفولتك؟

طفولتي كانت طفولة طبيعية، وقد تربيت وسط ثماني من الإخوة والأخوات، وكان لوفاة والدي مبكرا حين بلغت عشر سنوات أثر كبير على أسرتي، حيث ترك لوالدتي تركة مثقلة من الأعباء والمسؤوليات، ومع ذلك لم تشعرنا قط بأي نوع من الحرمان، وكانت تعمل من المنزل لتدبر نفقات عائلتها الكبيرة.

وكيف تم اكتشاف الإعاقة؟

عائلتي تعاني من الضعف البصري بالوراثة، لذلك بدأت منذ صغري أعاني من هذه الإعاقة، ولكن بدأت تتزايد تدريجيا مع الوقت حتى اشتدت في الصف الرابع الابتدائي فتركت المدرسة والتحقت بمعهد النور حتى الصف الثالث الإعدادي ثم تعلمت طريقة برايل، التي أعانتني على اكمال دراستي، حيث تم إدماجي في المدارس الحكومية في المرحلة الثانوية، والتحقت بشعبة الاقتصاد وتوقفت بعد ذلك عن الدراسة تماما. 

ومتى بدأ مشوار العمل؟

بعد حصولي على الثانوية العامة تمنيت الالتحاق بالجامعة كي أصبح معلمة، ولكن بسبب إعاقتي لم أتمكن من ذلك، فتوجهت لدراسة البدالة، وتوظفت في هذه المهنة بوزارة الإسكان منذ عام 1994 حتى الآن. 

وماذا عن الإعاقات الأخرى بالعائلة؟

أخي الكبير ولد كفيفا لذلك تختلف حالته عن حالتي، وقد نشأنا على أن هذه الإعاقة شيء طبيعي في العائلة حتى أن والدتي كانت تتعامل معنا بصورة عادية مثلنا مثل باقي اخواتنا تعاقبنا وتكافئنا، وقد غرست في أنفسنا مبدأ الاستقلالية وعدم الاتكالية وبأننا لا نقل مطلقا عن الأسوياء في شيء، كما حرصت على أن تعلمنا معاني التآخي والتعاون فيما بيننا، حتى أنني كنت أهتم بأخي الكفيف منذ صغري وكنا نلعب مع الأطفال ولا نشعر بأننا مختلفان عنهم.

ما أصعب مرحلة؟

أصعب مرحلة كانت في طفولتي، وخاصة بعد وفاة الوالد، ولكن أمي كانت مصدر قوتي وظهري وعمود البيت، وحين توفي والدي شعرت وكأن ظهري انكسر، ولكني سرعان ما تجاوزت هذه المرحلة الصعبة بفضل تكاتفنا في المنزل أنا وإخواني، وترابطنا القوي، كما حاولنا الاعتماد على أنفسنا وتوزيع النفقات والمسؤوليات فيما بيننا، وصار لكل منا دوره وواجباته. 

هل تمرين أحيانا بلحظات من اليأس؟

المرأة المعاقة بصريا لا بد أن تتحلى بالقناعة والصبر، وأنا شخصيا ورغم إعاقتي أقوم برعاية أخت لي مريضة عانت ومازالت من مشاكل صحية مريرة، حيث أصيبت بخمس جلطات، وأشرف على علاجها وتطبيبها، وهو ما يؤكد أن الكفيف إنسان مسؤول قليلا ما يشعر باليأس، بل إنه يتمتع بإمكانيات هائلة ومتعددة ولديه ثقة في قدراته والكثير من الطموح وهذا عن تجربة شخصية. 

وعن أجمل اللحظات؟

أنا أقضي أجمل أوقاتي في رعاية أبناء إخواني وأخواتي وأتمنى أن أصل بهم إلى أعلى المراتب، لأنني أعتبرهم أبنائي الذين لم أنجبهم، وأجد راحتي دوما في مواصلة مسيرة العطاء، وقد شعرت بقمة السعادة حين حصلت على وسام الكفاءة من جلالة الملك وعلى تكريم الأميرة سبيكة في يوم المرأة البحرينية، حيث أشعراني بأنني أنجزت في حياتي شيئا يستحق التقدير. 

ما مبدئك في الحياة؟

مبدئي في الحياة هو أن أحاسب نفسي بشكل يومي، فأنا أعيش في عالم خاص بي وأنفرد فيه بنفسي، وأسأل نفسي قبل أن أخلد إلى النوم دائما ماذا حققت، وفيما أخطأت، وأحاول باستمرار أن أصلح من مساري، وإذا أخطأت أعتذر. 

هل أخطأت من قبل في حق نفسك؟

حين أغضب أشعر بأنني قد أخطأت في حق نفسي، ولذلك أحاول السيطرة على مشاعري، وضبط أعصابي مهما مررت بفترات أو مواقف صعبة، ومن المؤكد أن كل منا يمر بذلك. 

هل المرأة الكفيفة قادرة على تكوين أسرة؟

نعم، المرأة الكفيفة يمكنها تكوين أسرة، وقد تتفوق في ذلك على بعض النساء السويات، بل وقد تتمتع بمقدرة على تربية أطفالها وتدريسهم أيضا بمهارة فائقة، وهناك تجارب من الواقع تؤكد ذلك.

متى تشعرين بالحزن؟

تنهمر دموعي حين يلجأ لي أحد طلبا للمساعدة وأعجز عن الأخذ بيده، هنا أشعر بحزن شديد، لأنني لا أحب أن أرد أي سائل، وحين أتمكن من تقديم العون له أكون في قمة سعادتي، فالعطاء هو كل حياتي وخاصة إذا وجهته إلى ذوي الاحتياجات الخاصة. 

ما أهم المشاكل التي واجهتك بسبب الإعاقة؟

الكفيف يعاني من مشاكل معروفة أهمها المواصلات، وعدم توافر المرافق الخاصة التي تسهل عليه عملية التسوق، وهي صعوبات حاولت التغلب عليها منذ أن تدهور بصري بشدة، حتى أكد لي الاطباء أنه لا أمل في تحسن حالتي، لأن أعصاب العين قد أصابها تلف تام، ولكن تبقى البصيرة تعوض الكفيف عن البصر، وقد تجسدت تلك البصيرة في شخصية أخي الكفيف وهو نموذج يحتذى في ذلك، فقد تعلمت الكثير منه. 

وماذا تعلمتِ منه؟

أخي يتمتع ببصيرة شديدة، فهو يستطيع الذهاب بمفرده إلى أماكن بعيدة من دون أن يستخدم حتى العصا في أحيان كثيرة، حتى أن البعض يشك أحيانا أنه قادر على الإبصار، كما يمكنه التعرف بسهولة على الأصوات والروائح، حيث يستعيض بحاستي اللمس والسمع عن البصر في أشياء كثيرة، لدرجة أنه قد يحدد الحالة النفسية للشخص من نبرات صوته، كما أنه يعزف الموسيقى، وقد تعلمت منه الكثير في حياتي.

هل معاناة الكفيف بالولادة أصعب من حالتك؟

لا، بالعكس معاناتي أنا أصعب من حالة أخي، لأنني عشت معنى الإبصار وتمتعت بنعمة النظر ولو لفترة بسيطة، لذلك شعرت بمحنة فقد هذا الشيء بعد امتلاكه، أما الشخص الذي ولد كفيفا فهو يتأقلم على إعاقته ويكيف أموره عليها منذ نعومة أظفاره، ومع ذلك يمكنني القول بأنني تغلبت على كل ذلك وتدربت على استخدام العصا البيضاء، وهي تيسر عليّ أمورا كثيرة، حتى أنني أذهب للدوام مع مرافق، وأثناء مغادرتي العمل أسير بمفردي حتى أصل إلى مكان السيارة. 

وماذا عن التواصل مع الآخرين؟

أنا أستخدم بعض وسائل التكنولوجيا بسهولة ويسر، فهناك برامج خاصة للمكفوفين توفرها شركات الاتصالات، على سبيل المثال خدمة النقال الناطق، التي يمكنني من خلالها الاتصال والتواصل مع الآخرين بكل سهولة، ولا أشعر معه بأي مشكلة. 

متى بدأت العمل التطوعي؟

لقد نشأت على مبادئ حب الآخر ومساعدته والفضل في ذلك يرجع لوالدتي، حتى أنني بدأت العمل التطوعي منذ طفولتي، حين كنت أقوم بتوزيع المساعدات على أهل الحي الذي أقطنه، وكنت أستمتع كثيرا بهذا العمل، وأكون في قمة سعادتي حين آخذ بيد الآخرين، وقد التحقت بجمعية الصداقة للمكفوفين في عمر عشر سنوات، ثم أصبحت عضو مجلس إدارة ومسؤولة اللجنة الاجتماعية، ولي مساهمات أخري عديدة بالجمعية حاولت من خلالها حل الكثير من المشاكل التي تواجه المكفوفين.

وما أهم تلك الإنجازات؟

لقد أسست لجنة التوظيف بالجمعية لحل مشكلة المكفوفين الذين يعانون البطالة لتأهيلهم للانخراط في سوق العمل، ومنحهم شهادة معترف بها من قبل الجمعية، كما حاولت حل مشكلة أخرى يعاني منها المكفوفون ألا وهي المواصلات، لذلك أنشأت مشروع المواصلات بالتعاون مع وزارة التنمية بعد حصولنا على الدعم اللازم له، ثم أسست لجنة المرأة والطفل، هذا إلى جانب عضويتي بجمعية الاقتصاد والالهام، وبجمعية أولياء أمور المعاقين وأصدقائهم.

ماذا قدمتِ من خلال لجنة المرأة والطفل؟

لقد أسست هذه اللجنة بعد تشكيل الاتحاد النسائي البحريني، وبعد إنشاء المجلس الأعلى للمرأة، وبالتعاون معهما نحاول أن نأخذ بيد المرأة المعاقة وخدمة أطفالها وإدماجها في المجتمع، ولا يفوتني هنا أن أتوجه بالشكر والامتنان للأعلى للمرأة على مساندتنا من خلال لجنة التعاون لتقديم مشاريع لتأهيل المرأة المعاقة بصريا من خلال دورات متخصصة بالتعاون مع جهات أخرى، واليوم أنا بصدد مشروع هو الأول من نوعه خليجيا.

وما هو ذلك المشروع؟

يجري العمل حاليا على إنشاء مشروع للمساج للجنسين، وذلك على غرار الموجود بالدول الغربية، فهناك نجد ضعاف البصر لديهم محلات ومعاهد في هذا المجال، على سبيل المثال تتوافر هذه المشاريع بشكل ملحوظ في دولة ماليزيا، والمعروف أن المكفوفين يتمتعون بمقدرة فائقة في هذه الوظيفة من خلال تمتعهم بحاسة اللمس بدرجة عالية، وبمهارة وقوة في التدليك.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news