العدد : ١٤٧٣١ - الاثنين ٢٣ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٣١ - الاثنين ٢٣ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

اكتشفنا أن السودان أجمل من بريطانيا

لم يكن انطباعي عن الخواجات (للتذكير مرة أخرى فإن السودانيين والمصريين يسمون الأوروبيين خواجات بينما الكلمة تعني في الشام الشخص الغريب، وفي السودان كان جيل آبائنا يسمي المدرس خوجة، وهي كلمة بقيت حينا من الدهر في القاموس العامي السوداني من ذكريات الاحتلال التركي للبلاد).

المهم أن انطباعي عن البريطانيين في أول زيارة لي للندن لم يكن أنهم قوم سيئون، ولا هو انطباعي عنهم اليوم، فكما رددت مرارا فلولا الخواجات وما قدموه للبشرية خلال القرنين الماضيين لظللنا نحن أبناء العالم السفلي في عصر الحمير والبعير، وقاد البريطانيون على وجه التحديد الثورة الصناعية لأن علماءهم هم الذين اخترعوا معظم الآليات والتقنيات في مجالات النقل والاتصال والصناعات الثقيلة، والتلفزيون والانترنت، وكما تقول النكتة المتداولة عبر الانترنت فقد هدَت تفاحة آيزاك نيوتن (أسميناه إسحق كعادتنا في تعريب الناس والبلدان بالعافية) إلى نظرية الجاذبية وبعده بنحو قرنين جاءت تفاحة ستيف جوبس الأمريكي فكانت تشكيلة منتجات «أبل»، فكانت كمبيوترات أبل والآيبود والآيفون والآيباد، وجمع العرب التفاحتين واخترعوا «معسل» يهبل مثّل طفرة في دنيا الشيشة، إضافة الى مساهمتهم في دنيا الشيش بيش. والخواجات تسببوا في ثقب الأوزون الذي تسبب في ظاهرة الانحباس الحراري بأدخنة المصانع، ولما جاء الدور علينا للإسهام في تلك الظاهرة استخدمنا الشيشة وهي عبارة عن مصنع صغير متحرك تتألف أجزاؤه الأساسية من قوارير تشبه تلك المستخدمة في مختبرات الكيمياء، موصولة بخط أنابيب (بايب-لاين) يتم شفط الدخان عبره فيثقب رئة المشيش الذي ينفث جزءا منه في الهواء ليصعد الى الفضاء.

كنا كما أسلفت مجموعة من السودانيين تم ابتعاثنا الى لندن لدراسة فنون الإنتاج البرامجي التلفزيوني، وكان جميع أفراد المجموعة محل احترام المدرسين، ليس لأنهم كانوا أكثر عبقرية من بقية الطلاب ولكن لأننا كنا منضبطين جدا، في مسائل الحضور والانصراف وأداء الواجبات التي يتم تكليفنا بها خلال المهلة المحددة لها، وكانت الدفعات التي سبقتنا الى المعهد من السودانيين قد تركت انطباعا طيبا لدى إدارة المعهد الذي كنا ندرس فيه، حتى صار تقليدا ثابتا أن يلقي كلمة «الخريجين»، بعد انتهاء الدورة الدراسية طالب من السودان في حفل كان يحضره وزير التنمية ما وراء البحار البريطاني.

وقبل انتهاء الدورة الخاصة بمجموعتنا بنحو شهر شهد المعهد حادثا مأساويا راحت ضحيته ميري ماكينا. كانت سيدة مهذبة دائمة الابتسام تعمل رئيسة لقسم الحسابات في المعهد، وذات صباح جاءت الى المكتب ووجدت فريقا من المحاسبين، أبلغها بأن تدقيق الحسابات كشف عن حالة اختلاس قامت بها موظفة جديدة في القسم، وكانت تلك الموظفة شابة صغيرة السن ومطلقة ولها طفلة واحدة، وانهارت ميري ماكينا باكية، وفجأة قفزت من نافذة الطابق الثالث للمبنى وسقطت على الرصيف ميتة.

بكينا ماكينا بحرارة وصدق لأننا كنا نحبها، و«مسّخ» انتحارها جو الدراسة، ومضت الأيام بطيئة ونحن نعمل على «مشاريع التخرج»، وما ان فرغنا منها وقمنا بتسليمها لأساتذتنا حتى اتخذت مجموعتنا قرارا بمغادرة بريطانيا قبل حفل التخريج. حتى زملاؤنا من الدول الأخرى كانوا مندهشين للهفتنا للعودة الى السودان بأسرع ما يمكن، فلم يكونوا يعرفون كم هو جميل هذا السودان -رغم فقره- بأهله، والمهم أننا ركبنا رؤوسنا الناشفة وقلنا لهم: أرسلوا لنا شهاداتنا ولو بالحمام الزاجل، وكنا قد شبعنا من لندن وبنا جوع شديد لهواء وتراب الوطن.

سبحان الله فقد حسبنا عندما بشّرونا بالسفر الى لندن أننا من محظوظي ليلة القدر، ثم مكثنا فيها ثمانية أشهر، وصرنا مهووسين بالعودة الى السودان. ومن غرائب الصدف أن الطائرة السودانية التي أقلتنا الى لندن لم تعد حتى الآن. فقد كانت من طراز كوميت فور سي، واتضح أن بها عيوبا ميكانيكية خطيرة، تسببت في كوارث متتالية، فتم سحبها من الخدمة.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news