العدد : ١٤٧٩٣ - الأحد ٢٣ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ محرّم ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٧٩٣ - الأحد ٢٣ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ محرّم ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

الحياة الفطرية تُلهم العلماء (1 من 2)

بقلم: د. إسماعيل محمد المدني

الجمعة ١٣ يوليو ٢٠١٨ - 01:15

العالم المبدع والمثابر الذي لا يعرف اليأس والقنوط في عمله هو الذي يستفيد من كل ظاهرة يراها أمامه ويتعلم من كل حَدث أو واقعة طبيعية يشاهدها في يومه حتى لو أخذ ذلك منه سنواتٍ طويلة وجهدٍ عظيم ومتواصل، فيحاول أن يضع لها تفسيراً علمياً ومنهجياً. والعالم الفذ المخترع يقف متأملاً ومتفكراً أمام كل كائن حي يعيش بالقرب منه، أو بعيداً في بيئاته الطبيعية الفطرية النائية، فيحاول أن يدرس ويتفحص هذه الكائنات دراسة علمية دقيقة وموضوعية من أجل أن يبحث عن أسرارها وأسلوب حياتها، ويجيب على ألغاز تأقلمها وتكيفها مع البيئات التي تعيش فيها، ثم يكتشف كيفية الاستفادة من هذه المشاهد والمخلوقات لرقي الإنسان وتطوره وتقدمه في المجالات كافة، الطبية، والصحية، والعلمية، والاجتماعية، والاقتصادية.

فطالما كانت هذه المظاهر والحوادث الكونية الطبيعية وهذه الحياة الفطرية والمخلوقات النباتية والحيوانية في البر والبحر والجو والأدغال النائية مصدر إلهامٍ وشغفٍ كبيرين للباحثين، وطالما كانت كل هذه الحياة الطبيعية والمشاهد الحية دعوة لهم لسبر أغوارها، والولوج في أعماقها، وحافزاً لهم لكشف أسرارها وخفاياها، فكم من اكتشافاتٍ علمية، واختراعات نافعة مثيرة، وابتكارات عملية مفيدة، وأدوية ناجعة فريدة، وعلاجات شافية، تم استخلاصها واستخراجها وصناعتها من هذه الحياة الفطرية.

والأمثلة على استغلال الإنسان والاستفادة من الحياة الفطرية في حياته اليومية العملية لا تُعد ولا تحصى منذ القدم، وسأذكرُ لكم القليل منها من باب الأمثلة لا من باب الحصر. فقد أعلنتْ وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) في الثامن من أبريل 2018 أنها تُطور روبوتات (إنسان أو حيوان آلي) على هيئة وشكل حشرة النحل بكامل أجنحتها وأرجلها لجمع المعلومات من سطح المريخ، وبالتحديد معلومات عن نسبة غاز الميثان في الهواء الجوي للمريخ، فهذه الحشرة الآلية تحاكي النحل في أسلوب طيرانها، وطريقة تحليقها في الجو، وآلية تنقلها من زهرةٍ إلى أخرى لتلقيحها وجمع الرحيق منها بحثاً عن الغذاء لإنتاج العسل الشافي للإنسان من الأسقام والعلل.

أما شركة بوسطن داينميكس الأمريكية (Boston Dynamics) المتخصصة في صناعة الإنسان الآلي فقد طوَّرت روبوتاً على شكل كلب له أربعة أرجل كاملة يمشي ويجري كجري الكلب في الطبيعة، كما أن هناك شركات أخرى عملت الاختراع نفسه، ولكن صممت وأنتجت روبوتات حيوانية على هيئة وشكل الزواحف البرية كالثعابين بهدف القيام بتطبيقات عملية في حياتنا اليومية ينتفع منها الإنسان، منها قيام هذه الحيوانات الآلية في البحث في أنابيب مياه المجاري وغيرها من الأنابيب الطويلة التي تدفن تحت الأرض لمسافاتٍ وأعماق كبيرة والقيام بأعمال الصيانة والمراقبة الدورية والتصليحات اللازمة عند حدوث أي خللٍ أو عطل، أو استخدامات الروبوتات الحيوانية لأغراض طبية علاجية عند الجراحين للدخول في أعماق أعضاء جسم الإنسان والكشف عن أسباب الأمراض التي يتعرض لها. فآلية وسهولة حركة هذه الحيوانات في الطبيعة في البر، أو عند تحليقها في أعالي السماء، وطريقة وأسلوب طيرانها، أو ميكانيكية مشيها وانسياب حركتها وزحفها على الأرض، هي التي ألهمت العلماء وأثارت فيهم فضول المعرفة والاكتشاف وجعلتهم يقلدونها من خلال تطوير أجهزة ومعدات تحاكي حركتها في بيئاتها الفطرية.

وفي السياق نفسه فقد نشر علماء ألمانيا بحثاً في السادس من ديسمبر 2017 في مجلة «تطورات في علم الحيوان» (Frontiers of Zoology) حول تصميم وصناعة «صرصور آلي» (roachbots) يستفيد ويحاكي طريقة وسرعة وآلية حركة أرجل الصراصير في الهروب السريع والمفاجئ من فريستها، إضافة إلى قدرتها الفائقة في الدخول في الأماكن الضيقة والفتحات الصغيرة جداً، ويقترح الباحثون استخدام هذا الصرصور الآلي في عمليات الإنقاذ والبحث عن الناجين عند هدم المنازل والمباني أثناء الزلازل أو الحروب، وفي الكهوف الضيقة، والأماكن البعيدة المظلمة.

كذلك قام العلماء المفكرون والمـتأملون في مخلوقات الله سبحانه وتعالى التي تعيش في بيئات صحراوية جافة وجرداء لا يتحملها البشر، كالخنفساء، تلك الحشرة الصلبة والقوية، وبحثوا ملياً سنوات في فك لغز وأسرار مقاومتها وتأقلمها وصمودها أمام أشد الظروف والبيئات جفافاً وحرارة وشحاً للماء على سطح الأرض. فلا بد أن تكون بداخل هذا الكائن الحي مقومات وأدوات تمكنه من الحصول على سر بقاء أي كائن حي وهو الماء والاستمرار في الحياة بأمن وأمان وراحة واستقرار وتكاثر ونمو في مثل هذه الأجواء والظروف الشديدة القسوة. فبعد إجراء تشريحٍ دقيق مجهري لأعضاء جسم هذه الحشرة تبين أن ظهرها يتميز بسطحٍ مُتعرج غير مستوٍ، ويتكون من مادة شمعية بها تجاويف ومسامات وفتحات صغيرة جداً لا ترى بالعين المجردة، وهذه التجاويف وتصميم الظهر غير المستقيم يمكنها من جمع قطرات الماء عند ساعات الفجر الأولى فوق ظهرها فتخزنها وتستخدمها عند الحاجة إليها أثناء حر الشمس وندرة الماء. فهذه التقنية الربانية ذات الكفاءة العالية في استخلاص وتكثيف وتحزين قطرات الماء ألهمت العلماء إلى تصميم وتطوير وابتكار نظامٍ جديد أكثر فاعلية من النظم القديمة لتكثيف السوائل من البخار وجمعها وتخزينها.

bncftpw@batelco.com.bh

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news