العدد : ١٤٧٢٥ - الثلاثاء ١٧ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٤ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٢٥ - الثلاثاء ١٧ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٤ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

الاقتصاد البحريني بين الإصلاح والدعم والتحديات

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

الجمعة ١٣ يوليو ٢٠١٨ - 01:15

تسعى البحرين إلى تحقيق نمو اقتصادي مرتفع يحقق المنفعة للمواطن، ويحقق ارتقاءها إلى عالم الدول المتقدمة.. اقتصاد متنوع عالي الإنتاجية، قادر على المنافسة، يوسع من حجم الطبقة المتوسطة، ويتولى القطاع الخاص تنميته على مبادئ الاستدامة والمنافسة، بعد أن تمثل هدفها الرئيسي في زيادة الدخل الحقيقي للأسرة إلى أكثر من الضعف بحلول عام 2030. وهو ما استطاعت المملكة تحقيقه بجدارة في سنوات العقد الأول للألفية الجديدة مع توافر الاستقرار السياسي والأمني، فقد بدأت عملية إصلاح شاملة لمناخ الاستثمار والأعمال، وسوق العمل؛ وحققت معدلات نمو اقتصادي، بلغ متوسطها 5.4% سنويًّا «متوسط 2000 – 2006»، وارتفعت إلى 8.4% في 2007. وقاد هذا النمو قطاعا الخدمات المالية والصناعة؛ ما جعل اقتصادها أكثر تنوعًا وأقل اعتمادًا على النفط، ويحتل مكانة متقدمة في التقييمات التنموية الدولية. 

وفي عام 2008، شهد العالم أزمة مالية واقتصادية تسببت في كساد عالمي كبير، أثرت على اقتصادات العالم، بما في ذلك الاقتصاد الأمريكي، والأوروبي، وامتد هذا الأثر إلى معظم دول العالم، وخاصة الدول الأكثر اندماجًا في الاقتصاد العالمي، ومن بينها البحرين، إلا أنه مع نهاية 2010، شهدت المنطقة العربية موجة من الاحتجاجات الشعبية سميت زورًا «الربيع العربي»، امتدت من تونس إلى مصر، لتصل إلى اليمن وليبيا وسوريا؛ لتشهد المنطقة كلها أزمات سياسية؛ أثرت على اقتصادها وطموحها التنموي، وتأثرت البحرين كغيرها من الدول بهذه الأزمات، ولم تلبث أن تعرضت كغيرها من الاقتصادات النفطية لموجات متتالية من انخفاض أسعار النفط، ظهرت بصورة ملحوظة منذ النصف الثاني لعام 2014.

 ومع كل هذه الأزمات المتلاحقة عملت المملكة على تنفيذ المشروعات التنموية المخططة، في إطار الرؤية الاقتصادية 2030، وفي نفس الوقت عدم تحميل المواطن تبعات تأثر إيرادات الميزانية العامة، فحرصت على الحماية الاجتماعية، والتوظيف الأمثل للموارد الوطنية. وفي سبيل تحقيق ذلك، لجأت إلى الاقتراض لسد الفجوة بين الإيرادات والنفقات، وكان ذلك ضروريًا للاستمرار في تنفيذ المشروعات التنموية والإنفاق الاجتماعي، في غياب موارد أخرى تعوّض انخفاض الإيرادات النفطية وغيرها. 

والاقتراض كما يوضح خبراء الاقتصاد «لا يمثل مشكلة للدولة، طالما أن لديها اقتصادا قادرًا على تحقيق نمو جيد في معظم قطاعاته، يمكنها من الوفاء بتسديد ديونها»، وهو ما ينطبق على البحرين؛ فمثلا تبلغ ديون الولايات المتحدة ما يوازي 18 تريليون دولار، بما يفوق اقتصادها البالغ 14 تريليون دولار، وديون اليابان حوالي 9 تريليونات دولار، بما يفوق اقتصادها البالغ 5 تريليونات دولار، فيما تبلغ ديون كل من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا في حدود 2 تريليون دولار.

أما فيما يتعلق بأسباب الاقتراض، فهو كان نتيجة سعي المملكة لتنفيذ المشروعات التنموية والإنفاق الاجتماعي بالتوازي مع انخفاض أسعار البترول، فضلا عن أنه يعكس أيضا وبلا شك أزمة فبراير 2011 المؤسفة والتكاليف الاقتصادية المترتبة عليها، وتعرضها لتهديدات أمنية مباشرة في أمنها واستقرارها.. وهي لا تزال مستهدفة من نظام إيران الطائفي، ومن حزب الله الإرهابي في لبنان وغيرهما؛ ما جعل الحكومة تتحمل أعباءً استثنائية من المصروفات الأمنية، ولعل أكبر دليل على ذلك، الجماعات الإرهابية التي تم إلقاء القبض عليها.. فهم يسعون لإشغال البحرين بملفات وقضايا مفتعلة تبعدها عن مشروعها الإصلاحي الشامل، بعد أن فشلوا في تدبير المؤامرات والمخططات الخارجية بأياد محلية، ويتحركون من أجل ضرب الاستقرار والأمان الاقتصادي، بعد أن تمت هزيمتهم في الأمن السياسي والمجتمعي. 

وقد أعلنت كل من السعودية والكويت والإمارات، في بيان مشترك، برنامجا متكاملا لتوفير الدعم اللازم لاقتصاد البحرين، وتعزيز أوضاعها المالية، وهو ما استغلته بعض الجهات المعادية والأقلام المغرضة للترويج بأن البحرين في أزمة، متناسين أن مثل هذا الدعم موجود منذ سنين ومستمر، كان آخره في أعقاب أزمة فبراير 2011. حيث تعهدت الدول الخليجية بتقديم 10 مليارات دولار لكل من البحرين وعُمان على مدى 10 سنوات بواقع مليار دولار بالتساوي بينها كل عام؛ ومن ثمّ، فالمبادرة السعودية– الكويتية– الإماراتية لمساندة البحرين ليست خطة طارئة أو استثنائية.

وتأتي مبادرة الدول الخليجية الثلاث في سياق سياستها الثابتة بالوقوف مع مملكة البحرين لمواجهة التحديات التي تمر بها، استمرارا لسياستها الداعمة لأشقائها، حيث كانت دومًا الداعم الأول اقتصاديا وسياسيا لها.

وفي هذا الإطار، لا بد من الإشارة إلى أن الدول الخليجية كانت قد تعهدت في 2012 بتأسيس برنامج تنموي للأردن وللمغرب، بقيمة 5 مليارات دولار لكل منهما. وفي يونيو 2018 دعت السعودية إلى اجتماع في مكة لتقديم المساعدات إلى الأردن، شاركت فيه الإمارات والكويت، وتعهدت فيه بتقديم حزمة مساعدات لمساعدتها في تجاوز أزمتها الاقتصادية، تصل قيمتها إلى ملياري ونصف المليار دولار.

وتأتي هذه المبادرات في سياق دعم الدول الخليجية للدول الشقيقة التي تواجه تحديات اقتصادية، وخاصة دول مجلس التعاون، حيث إن ما يحدث لأي اقتصاد من اقتصادات الدول الخليجية يؤثر على أداء بقية الاقتصادات.

وبغض النظر عن اعتبار هذه المبادرة اقتصادية من الأساس، فهي تعد أمرا سياسيا يتعلق بعمل منظومة مجلس التعاون.

 ولم يكن غريبا وقوف الدول الخليجية إلى جانب أشقائها، فشأنها في ذلك شأن غيرها من الكيانات الدولية الكبرى، كالاتحاد الأوروبي الذي استطاع أن ينقل نمط العلاقات بين مجموعة من الدول المتجاورة إقليميا من حالة التشتت والصراع إلى حالة التعاون والتكامل وصولاً إلى الوحدة، وتمثلت مهمته الأساسية في الدفاع عن المصالح التجارية والاقتصادية المشتركة للدول الأعضاء، وهو ما برز بوقوفه إلى جانب اليونان ومساعدتها على تجاوز أزمتها الاقتصادية، فضلاً عن دعم أيرلندا، ووقوفه إلى جانب دول أخرى منضوية تحت لوائه.

وعلى أثر التعهد الخليجي، وبالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط، أدى ذلك إلى استقرار سعر الدينار البحريني، وساد الاطمئنان في الأسواق المالية الخليجية، وخاصة مع تأكيد مصرف البحرين المركزي التزامه بالحفاظ على ربط الدينار بالدولار عند سعر 0.37608. ما يعني عدم تغيير السياسة النقدية. 

وتدعم هذه السياسة زيادة زخم النمو الاقتصادي غير النفطي، وارتفاع معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي من 3.2% في 2016 إلى 3.9% في 2017، وتحسن موقف الإيرادات غير النفطية باستحداث ضريبة القيمة المضافة، واكتشافات النفط والغاز الجديدة، التي تصل إلى 80 مليار برميل من النفط، و20 تريليون قدم مكعبة من الغاز، بما يمكن أن يحفز الاستثمار الخاص في قطاع الطاقة في البلاد على المدى القريب، كما يمكن على المدى المتوسط أن يزيد من عائدات النفط والغاز، ويقلل العجز المالي وحجم الدين العام، هذا فضلا عن تخفيض دعم المشتقات النفطية وإجراءات ترشيد استهلاكها، وضبط النفقات الحكومية، وإعادة هيكلة الدعم، والترويج للبحرين كواجهة سياحية مفضلة للعوائل الخليجية والعربية والأجانب المقيمين في دول الجوار.

وفي واقع الأمر، هناك شواهد ومؤشرات تعضد من قدرة الاقتصاد البحريني على التعافي سريعا، وهو ما يدعمه التاريخ، فقد تعرض اقتصاد المنامة إلى تحديات مماثلة في عقدي الثمانينيات والتسعينيات، واستطاع اجتيازها والعبور إلى النمو والاستقرار.

وعلى العموم، فإن مسيرة الإصلاح قائمة ولم تتوقف، وليس هناك شك في أن المملكة تعمل على دراسة الخيارات المتاحة، وتبنّي الأفكار الإيجابية للارتقاء بالاقتصاد الوطني، مهما حاول الإعلام المشبوه إحداث ضجة أو تلفيق أكذوبة هنا أو هناك، فهي ماضية بزيادة معدلات النمو وتحقيق الاستقرار المالي.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news