العدد : ١٤٧٨٨ - الثلاثاء ١٨ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ محرّم ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٧٨٨ - الثلاثاء ١٨ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ محرّم ١٤٤٠هـ

مسافات

عبدالمنعم ابراهيم

بعد (الحالة) بالمحرق انتقلنا لحفر مجاري (أم الحصم)

انتهينا من مشاق حفر مجاري (أم الشعوم) و(الحالة).. وانتقلنا إلى أرض رغدة وسماء زرقاء صافية.. فلل صغيرة جميلة قريبة من البحر.. معظم سكانها من الرعايا الأجانب الأوروبيين، وغالبيتهم عائلات بريطانية يعملون في (بابكو) النفطية في أواخر الستينيات من القرن العشرين.. باختصار كان يجب أن نحفر مجاري (أم الحصم) مع نفس المقاول عبدالرحمن البناء -رحمه الله. علمتنا التجارب السابقة الكثير في أعمال الحفر، لكن ما لم يكن في الحسبان أن أرض (أم الحصم) كانت في جزء منها صخرية، ولذلك استعان (المقاول) للمرة الأولى بآلات حفر حديثة.. (الورور) هكذا كنا نسميها، ولم يكن يستطيع استعمالها سوى عمال مفتولي العضلات لما تحدثه من اهتزاز شديد في يد وكتف العامل.. عملنا بقدر ما نستطيع لكي نحفر مجاري (أم الحصم).. وكالعادة لا بد أن يكون هناك شيء ما يجعل تعب الشغيلة يستحق عرق الجبين.. فكان الحافز متمثلا في وجود فتاة حسناء إنجليزية تأتي كل يوم عصرًا لكي تتفرج على العمال وهم يحفرون المجاري.. كان ذلك يشبه النزهة في حديقة.. هي تتفرج على العمال، والعمال يتفرجون عليها! حتى جاء صعلوك مراهق بحريني حاول التحرش بها.. وطبعًا كل الفتيان الشغيلة أخذتهم النخوة، وحاول بعضهم الدفاع عنها ضد تحرش الصعلوك.. لكن والد الفتاة سبق الجميع بخروجه من البيت ممتطيًا عصا (بيسبول) للدفاع عن ابنته، وهرب الصعلوك.. ومنذ تلك الحادثة اختفت الفتاة الإنجليزية من المشهد العمالي.

عدنا إلى أعمال الحفر في مجاري (أم الحصم) لإنهائها قبل عودتنا إلى صفوف المدرسة، لكن حدث شيء كارثي في اليوم الأخير، حيث كان الحارس الملقب بـ(طوليان)، وذلك لطول قامته ونحافة جسده، معتادًا النوم على كومة الرمال الباردة التي تستخدم لردم الأرض بعد إتمام حفر المجاري.. فجاء سائق شاحنة (الرمال) ودهس الحارس من دون أن يدري بوجوده.. ومات طوليان -رحمه الله.

ربما بعضكم يتساءل: أين هي هذه المجاري التي حفرناها في أواخر الستينيات في أماكن عديدة بالبحرين؟.. ربما موجودة.. وربما اختفت، لأن مجاري صرف صحي جديدة وحديثة ومقاولين آخرين.. وعمالا وطلاب مدارس آخرين جاءوا بعدنا ليكملوا ما بدأناه.. وينعم السكان بمياه أكثر يسرًا، وأقل انسدادًا في (البواليع).. لكن يبقى الفخر أننا كنا من الرواد الأوائل في حفر المجاري.

إقرأ أيضا لـ"عبدالمنعم ابراهيم"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news