العدد : ١٤٧٢٤ - الاثنين ١٦ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٣ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٢٤ - الاثنين ١٦ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٣ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

من ميكي ماوس إلى الدجاج هاوس

تم إسكان جميع من وقع الاختيار عليهم من الصحفيين العرب القادمين من خارج بريطانيا، للعمل في تلفزيون بي بي سي العربي، في مبنى كئيب يحمل اسم بيمونت هاوس، في منطقة بيزووتر في لندن، وبمجرد دخول المبنى قلت لنفسي إن الاسم الصحيح له ينبغي ان يكون ميكي ماوس، لأن غرفه كانت مثل جحور الفئران، وكان هذا مظهرا آخر من صدام الحضارات، واعتبر بعضنا أننا هدف لمؤامرة، وتم الزج بنا في زنازين في سجن شبه مفتوح، لـ«تصفية القضية العربية».

وكنا مجموعة متجانسة، وكان الصديق الراحل أحمد الشولي (أبو ماهر) رحمه الله، هو واسطة العقد، ويقوم بجمعنا وطرحنا وتعريفنا ببعضنا بعضا، ولكن أكبر خدمة كان يقدمها لنا هي أنه كان يعشق الطبخ ويجيده، بعد أن تعاهدنا على عدم تناول أي طعام «إنجليزي»، بل ومقاطعة المطاعم العربية من حولنا باعتبار أنها مملوكة لعملاء الاستعمار والاستكبار.

وكنا نتقاسم تكاليف مواد الطعام الخام، ويتولى أبو ماهر الشراء والطبخ، وكنا نجلس حول طاولة في المطبخ نتآنس، ونضحك، والشولي يطبخ ويطلق أعيرة نارية على هذا وذاك، ولكنه كان يخصني بأكبر قدر من اللسعات، لأننا كنا نتعارف خلال الفترة التي عملت فيها في أبو ظبي في مؤسسة الاتحاد للصحافة، بينما كان هو يعمل في وكالة أنباء الإمارات ثم إدارة البرامج الأجنبية في إذاعة أبو ظبي، وأتحمل شخصيا مسؤولية جعل نفسي هدفا لقذائف الشولي، بعد أن أفشيت بعض أسرار مسيرته المهنية، ومنها أنه حاور ثلاثة مسؤولين خليجيين كبار في مناسبات مختلفة، لحساب وكالة أنباء الأمارات، وطار ثلاثتهم من مناصبهم بعد نشر الحوارات بأيام، وذات مرة طلب من وزير خليجي «جديد»، تولى حقيبة الإعلام إذنا بإجراء حوار معه، وكانت المفاجأة أن الوزير الخليجي استعطف الشولي: يرحم والديك أنا ما كملت أسبوع في المنصب.

ذات مرة طلب منا أبو ماهر أن ندفع مساهماتنا لشراء لحم ومواد أخرى لوجبة العشاء، وكانت المساهمات الفردية عالية نسبيا مقارنة بالأيام السابقة، ولكن أبو ماهر كان قد قرر أن تكون الوجبة دسمة ومنوعة، واعتذر أحد أفراد المجموعة عن المساهمة متعللا بأنه يرغب في تناول سي فود/ أكلة بحرية. وفي اليوم التالي كنا نجلس في المطبخ في انتظار أبو ماهر ليقرر ماذا نأكل وكم ندفع، ودخل علينا ضاحكا: بدكم تاكلوا لحم وللا نخليها سي فود؟ ثم واصل الحديث: أمس وأنا طالع غرفتي بعد العشاء مريت على صاحبنا منشان أسأله ليش ما جا المطبخ لطبخ السي فود، لقيته فاتح علبة تونا وبياكل منها مباشرة.

كسبت عشرات الأصدقاء العرب من أسرة بي بي سي خلال فترة قصيرة، وكان اللبناني عمر العيساوي من أقربهم إلى قلبي، لفت انتباهي على نحو خاص أنه شخص «دوغري/ واضح» لدرجة التهور، ولا يعجبه حال يعتبره مائلا، ولا يتردد في إبداء رأيه حتى وهو يدرك أن ذلك قد يجر عليه المتاعب، وكان أصغرنا سنا وبحكم أنه نشأ في أجواء الحرب الأهلية اللبنانية في السبعينيات فقد كان أول من تطوع لتغطية الحرب في البلقان (البوسنة والهرسك) وطخوه بصاروخ قتل المصور الذي كان برفقته، وأصيب هو بجروح هنا وهناك. المهم أن عمر قاسمني همّ البحث عن بيت لاستقدام عائلتي من قطر، وظللنا نقرأ «الإعلانات» حتى عثرنا على بيت في منطقة فينشلي، وأعجبني البيت لعدم وجود حانات وبارات قريبة منه، مما عنى ان المنطقة تكون هادئة ولا تعج بالسكارى كما هو الحال في مناطق كثيرة في لندن.

كان بيتا فاخرا: غرفة النوم الرئيسية 3 3 X أمتار وبه سرير ودولاب (خزانة) ملابس، وبالتالي كان من الصعب التحرك داخلها من دون النطنطة فوق الأثاث، وكانت غرفة النوم الثانية تتسع لسريرين تفصل بينهما مسافة لا تزيد على نصف متر، أما الغرفة الثالثة والأخيرة فقد كانت مترين في ثلاثة أمتار وبها سريران أحدهما فوق الآخر. وطوال إقامتنا في ذلك البيت كانت زوجتي تسميه «الخُن» وتعني بيت الدجاج، وأصلها الفصيح «القُن».

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news