العدد : ١٤٧٨٩ - الأربعاء ١٩ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ محرّم ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٧٨٩ - الأربعاء ١٩ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ محرّم ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

حلم الاقتصاد المعرفي في مجلس التعاون

بقلم: د. محمد عيسى الكويتي

الأربعاء ١١ يوليو ٢٠١٨ - 01:15

نعيش في منطقة الخليج مرحلة حرجة تفرض التحول من الدولة الريعية إلى الدولة المنتجة. فهل نحن مستعدون لهذا التحول الذي يفرض نفسه علينا؟ وهل نحن نعرف القدرات المطلوبة لهذه المرحلة ونعمل لتنميتها لكي نتمكن من الدخول في الميدان الجديد الذي يعتمد على قدرات ذاتية لمؤسساتنا وللمجتمع والأفراد وعلى إمكانية استغلال هذه القدرات في السوق التنافسي؟

نشرت هيئة المعلومات والحكومة الالكترونية تقريرها الشهري (مايو 2018) حول بيانات الواردات والصادرات الوطنية المنشأ. يبين التقرير أن البحرين تستورد شهريا ما قيمته 500 مليون دينار تقريبا (سنويا 6 مليارات دينار). في حين أن الصادرات غير النفطية تساوي 200 مليون دينار شهريا تقريبا. هذا يمثل «عجزا في الميزان التجاري» بواقع 300 مليون دينار شهريا تقريبا. أي أننا نحتاج إلى 300 مليون شهريا من صادرات النفط لتغطية وارداتنا فقط. هذا الرقم يجعلنا نتوجس من المستقبل وخصوصا أن مستقبل النفط في المنطقة وفي العالم يتراجع نحو بدائل أخرى. لذلك هذه الأرقام تجعلنا نفكر كيف سنوفر هذه المبالغ إذا لم نتمكن من تنويع اقتصادنا والدخول في مرحلة الإنتاج والتصدير. إلى حد الآن لا نرى خطة أو منظورا متكاملا يشرح خطوات هذا التحول. 

في الوقت نفسه هناك مؤشرات إيجابية على مستوى فردي وهي أن الجامعات تنتج بعض الكفاءات الواعدة من الطلبة ومشاريع تخرج يمكن أن تصل إلى براءة الاختراع. لكن للأسف هذه المبادرات تقف عند تسجيل الاختراع ولا تتحول إلى منتج بسبب ضعف القاعدة الإنتاجية في المنطقة وبسبب انفصال الأبحاث عن الصناعات. فالشركات الصناعية الكبرى لا تجري أبحاثا يمكن أن تخلق تنوعا اقتصاديا وقيمة مضافة يمكن تسويقها.

أمثلة على الكفاءات الواعدة، في جامعة البحرين يتم العمل على تسجيل أربع براءات اختراع لطلبة كليات الهندسة من مجموع ثمانين مشروعا مميزا بين 230 مشروع تخرج. في الوقت نفسه نشرت «أخبار الخليج» (4 يوليو الحالي) قصة شابة بحرينية (زينب سهيل)، حصلت على الميدالية الذهبية على مستوى الاختراعات الطبية العالمية عن اختراعها جهازا لتجبير الكسور بطريقة آلية من دون تدخل بشري. 

هذه المشاريع إن لم تجد طريقها إلى الصناعة المحلية فستبقى إما في أدراجها وإما تستغلها شركات أجنبية ترسل صادراتها إلينا. وكذلك إن لم يحصل الشباب الواعد هذا على فرص عمل في مجاله فإن مهاراته سوف تندثر، وبذلك تهدر طاقات شبابية لا تقدر بثمن.. فعلى سبيل المثال فقط هذه الشابة زينب التي اخترعت جهاز التجبير تقول إنها حصلت على عروض من دول أجنبية ولم تحصل على أي عرض محلي لاحتضان المشروع أو تبنّيه. المؤلم أن هذه الشابة الحاصلة على بكالوريوس تمريض عاطلة عن العمل منذ تخرجها قبل عام ولم تحصل على وظيفة لا في القطاع العام ولا في القطاع الخاص. 

التحول نحو الاقتصاد الإنتاجي والمعرفي له تحديات وتعقيدات وردت في ورقة مهمة تتحدث عن مستقبل الاقتصاد المعرفي في الخليج «الاقتصاد المعرفي وفشل الحلم العربي، للكاتب ويست شويلجي، 2012». تقول هذه الورقة: يجري الحديث عن الاقتصاد المعرفي على مستوى الخليج وحتى في الوطن العربي منذ لا يقل عن عشرين سنة ومازلنا مستمرين في الحديث من دون نتائج محسوسة. من ضمن الأسباب التي ذكرتها الورقة تجاهلنا للكفاءات وعدم احتضانها، وهذا نتيجة هيكل اقتصادي لا يعتمد على الإنتاج وإنما على عقلية تجارية ريعية احتكارية اعتادت الربح السهل. ونتيجة تهميش الشباب وفقدان الأمل في مستقبل واعد حوّل الكثير من الشباب إلى العنف كما رأينا في الربيع العربي. لذلك فإن الاتجاه الذي تتخذه الدول العربية، والخليجية منها بشكل خاص، سوف يشكل مستقبل المنطقة. فهل سنسعى إلى مشاركة الشباب في بناء مستقبلهم ومشاركتهم في بناء مجتمعات منتجة يسودها الأمن والاستقرار أم نستمر في تجاهل قضاياهم؟

تواصل الورقة بأن فكرة التحول نحو الاقتصاد المعرفي ترافقت مع وعود برواتب عالية وفرص عمل تتطلب مهارات عالية.. هذه الصورة رسمتها منظمات دولية مثل البنك الدولي والأمم المتحدة في التسعينيات وتبنتها دول عربية وخليجية (بتشجيع من بيوت خبرة) على أنها المستقبل الواعد وأنها الفرصة لعلاج كل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية وجميع تحديات التنمية. كذلك ساهمت في رسم هذه الصورة الرؤى العربية والخليجية المختلفة التي صدرت من جميع دول مجلس التعاون وأعدّتها شركة استشارية واحدة تقريبا. هذه الصورة كانت جاذبة بسبب الزيادة الكبيرة في أعداد الشباب (بين 18 و24 سنة) التي ستصل إلى 88 مليونا في الوطن العربي عام 2030. تعززت الصورة في مؤتمر تونس عام 2009 الذي حضرته 21 دولة عربية (منها البحرين، وجميع دول مجلس التعاون) بتنظيم من البنك الدولي. تقوم الرؤية على عدة افتراضات، منها أن العالم العربي قادر على تطوير نظام تعليم متين ومناسب، خلق بنية تحتية معلوماتية متطورة، منظومة ابتكار فاعلة، وأنظمة سياسية تشاركية، ومؤسسات حوكمة واقتصادية داعمة. لكن للأسف هذه الافتراضات لم تتحقق، وقد لا تكون واقعية في ضوء طبيعة الأنظمة العربية.

تقول الدراسة إن سبب قبول الدول العربية بفكرة الاقتصاد المعرفي أن الفكرة وفرت لهم ربطا مع رأس المال البشري وفرصة لإطلاق خطاب اقتصادي تنموي مقنع يلامس الحاجة السيكولوجية للمواطن العربي في التقدم واللحاق بالأمم الأخرى. لكن، بالحكم من أحداث الربيع العربي فإن هذه الحاجة السيكولوجية لم تتحقق.

في الواقع.. إن السوق في الدول العربية والمؤسسات تقوم على الواسطة وليس على الكفاءة، ومتأثر بتفضيل الشباب القطاع العام على القطاع الخاص، أما الصناعات فهي تفضل الأجانب على المواطن. بذلك أصبحت سياسات الاقتصاد المعرفي كالفيل الأبيض، تحظى بالكثير من الاحتفالات والإعلام والتقارير والوثائق المزخرفة، لكن نتائجها العملية والفعلية لا تتعدى هذه الوثائق. أما بالنسبة إلى الدول الأجنبية فإن هذه السياسة كانت لهم بمثابة حصان طروادة يقنعون بها قادة الدول العربية لاعتماد سياسات إصلاح اجتماعي وسياسي وحقوق إنسان لم تكن لتحظى باهتمام القيادات بدون تعليبها وإلحاقها بالاقتصاد المعرفي.

mkuwaiti@batelco.com.bh 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news