العدد : ١٤٧٨٩ - الأربعاء ١٩ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ محرّم ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٧٨٩ - الأربعاء ١٩ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ محرّم ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

حمد بن عيسى وترسيخ قيم التسامح

بقلم: د. نبيل العسومي

الأربعاء ١١ يوليو ٢٠١٨ - 01:15

أمر حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك مملكة البحرين المفدى -أيده الله- بتسهيل سفر علاج الشيخ عيسى قاسم للعلاج في الخارج، وذلك تحقيقا لرغبته ووفقا لرأي أطبائه، وبتغطية جميع نفقات العلاج بالخارج.

عندما قرأت هذا الخبر لم أشعر بأي مفاجأة في الحقيقة، وذلك لمعرفتي الجيدة بأخلاق وقيم شيوخنا الكرام في التسامح والتعاطف والكرم العربي الأصيل، بناء على ما عودنا عليه شيوخ العرب الأصلاء منذ قديم الزمان حتى العصور الحديثة والوقت الحاضر.. وأعادني هذا الخبر إلى بدايات المشروع الإصلاحي لحمد بن عيسى في بداية الألفية الثالثة عندما أصدر جلالته أمره السامي بعودة المغتربين وإفراغ السجون وإلغاء قانون أمن الدولة ومباشرة العديد من الإجراءات التمهيدية التي سمحت بفتح الأبواب أمام عهد جديد من التسامح والوحدة الوطنية ليكون هذا المشروع جامعا شاملا يشارك فيه الجميع لتحقيق حلم جلالته بوطن يحتضن الجميع.

ذكرني هذا الخبر أيضا بالأيام الجميلة التي عشناها من عام 2002 حتى عام 2010 في ظل الإنجازات الكبيرة التي جاء بها هذا المشروع الحضاري الإصلاحي عندما سنت القوانين التي تسمح بمباشرة الحقوق السياسية وإنشاء الجمعيات السياسية وإنشاء البرلمان الذي كان مطلبا رئيسيا.

ذكرني هذا الخبر بميثاق العمل الوطني الذي أجمع عليه شعب البحرين بجميع طوائفه، وما تضمنه من مبادئ ومن أسس تسمح بالتعايش والتنوع والوحدة، وجاء الدستور ليكرس تلك المبادئ الجامعة في إطار دولة وطنية مدنية عربية أساسها العدل والمساواة وتكافؤ الفرص بين أبناء الشعب بما يحقق الوحدة الوطنية المنشودة حتى يتفرغ المجتمع لبناء التنمية في ظل السلم الأهلي.

وبقدر ما ذكرني ذلك الخبر بتلك الإنجازات والأيادي الكريمة الممدودة من جلالة الملك -يحفظه الله- ومن حسن النوايا والكرم وإنجاز ما وعد به جلالته على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فإنه ذكرني في الوقت نفسه بردود الأفعال والتصرفات غير المتوقعة بتاتا من قبل بعض الجماعات السياسية والطائفية التي عضّت اليد التي امتدت إليها وقابلت الكرم بالتنكر، وقابلت التسامح بالتشدد وقابلت الإصلاح الذي اختاره المشروع الإصلاحي بالفوضى وإثارة الفتن، ولسنا هنا في حاجة الى أن نستعرض تلك الأحداث المؤلمة التي تسببت فيها تلك الجماعات وأحدثت في البلاد فوضى بعد استقرار ونشرت بين الناس الخوف والرعب من خلال تلك الأعمال الفوضوية والتخريبية وحتى الإرهابية التي مازالت موثقة إلى اليوم وعلى مدى التاريخ القادم بالصوت والصورة والكلمة, إذ عشنا أسوأ الأيام في عام 2011 وعلى مدار عامين متواصلين.

في الحقيقة إن هذه مفارقة بين كرم حمد بن عيسى وتسامحه واستعداده الدائم للتجاوز والغفران ومد اليد إلى الحوار الوطني والشراكة والتوافق وبين ردود الأفعال السيئة التي أدت إلى إرباك الحياة السياسية وإلى التأثير السلبي على العلاقات المجتمعية الهانئة التي اشتهرت بها البحرين كمجتمع للتسامح والمحبة والأخوة.

وبالرغم من كل ذلك وعظم الأفعال التي ارتكبت فإن جلالة الملك كان دوما يواجهها بالتسامح والرأفة، ولسنا هنا في حاجة إلى استعراض الأمثلة العديدة التي تؤكد هذه الحقيقة للداخل والخارج.. العفو عن العديد من الموقوفين والمحكومين وإعادة المئات من المفصولين إلى أعمالهم وفتح صفحة جديدة أمامهم مثلما حدث بعد أحداث عام 2011.

إن المشكلة عند كثير من الناس -وخاصة أولئك الذين يناصبون الدولة العداء- أن ذاكرتهم قصيرة وأنهم يتنكرون لكل ما قدمته لهم الدولة خلال السنوات الماضية من امتيازات ومواقف ومبادرات صادقة لطيّ صفحة الأحداث، ولكن للأسف فإن هؤلاء لم يقابلوا كل ذلك إلا بالتنكر وعدم الاعتراف بالجميل.

إن هذه المبادرة الملكية السامية تجاه الشيخ عيسى قاسم ليست جديدة ولا هي الأولى من نوعها، فعديدة تلك المرات التي وقف عندها حمد بن عيسى وقفات نبيلة تتناسب مع القيم التي يؤمن بها جلالته من عفو وتسامح وتضامن ومحبة، وتعكس الأسس الحضارية والأخلاقية التي يقوم عليها النظام السياسي في البحرين في ظل المشروع الإصلاحي الذي فتح أمامنا وأمام مجتمعنا أبوابا مشرعة على الحرية والديمقراطية والمشاركة والأخوة والوحدة الوطنية.

بقي أن نضيف ملاحظة أو إشارة أراها مهمة، وهي أن أخلاق المجتمع البحريني هي من أخلاق شيوخنا وقيادتنا، وهي في مجموعها ترجع إلى الأخلاق العربية الإسلامية الفاضلة التي شعارها «عفى الله عما سلف» وبذلك نتطلع كمجتمع إلى فتح صفحة جديدة من الأخوة البحرينية الأصيلة القائمة على المحبة والوحدة وخاصة أن البحرين تزخر في تاريخها القريب والبعيد بقيم التسامح منذ آلاف السنين وليس من الآن إذ تعايش هذا المجتمع بكل محبة مع احترام الحق في الاختلاف في الموقف السياسي وفي المذهب والدين والعرق. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news