العدد : ١٤٧٨٩ - الأربعاء ١٩ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ محرّم ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٧٨٩ - الأربعاء ١٩ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ محرّم ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

العلاقات التركية الإسرائيلية.. المأزق الراهن وآفاق المستقبل

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

الثلاثاء ١٠ يوليو ٢٠١٨ - 01:15

تشهد العلاقات التركية الإسرائيلية عدم استقرار وتدهورا، بلغ ذروته في منتصف مايو 2018؛ حينما طردت تركيا السفير الإسرائيلي، وجاء رد فعل تل أبيب بإغلاق السفارة التركية.

ففي تقرير صدر عن معهد «سينشري» للسياسة العامة بنيويورك، أعده «سليم كان سازاك» و«كاغلارك كور»، قال: «إن العلاقات التركية الإسرائيلية كانت دائمًا مُضطربة، تبعًا للمتطلبات الجيوسياسية والسياسة الداخلية والدوافع الأيديولوجية». وكما كان الحال في أوقات عدة في الماضي، كان سبب الانهيار الأخير بين الدولتين التصعيد في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، الذي أدى إلى مقتل ما يقرب من 170 وجَرح أكثر من 15000 فلسطيني، على يد القوات الإسرائيلية جراء المسيرات التي وقعت على حدود غزة، والتي بدأت آخر مارس الماضي، ووصفها الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» بأنها «إبادة جماعية ارتكبتها إسرائيل ضد الفلسطينيين»، بحسب ما ذكرته صحيفة «نيويورك تايمز».

وقد أشار بعض المحللين إلى بقاء هذا الموقف المتأزم؛ بسبب استمرارية العناصر المؤدية إليه، حيث رجحت «شيرا إفرون»، وهي باحثة أمريكية متخصصة بالشأن الإسرائيلي، وممثلة لمؤسسة «راند» للسياسة العامة في الشرق الأوسط، في تقرير لها، أن تغير السياق الجيواستراتيجي للمنطقة والسياسة الدولية أضاف قوة لعناصر الخلاف، لجعلها أكثر جوهرية مقارنة بخلافات الماضي بين الدولتين.

وفي إطار ذلك، فإن النظر في مستقبل العلاقات التركية الإسرائيلية يتطلب النظر في العوامل المؤدية إلى الشق الحالي في العلاقات بينهما، والتي تشمل الانقسامات الأيديولوجية الحالية، والاهتمامات الاقتصادية المتشعبة، وكذلك دور الاستقطاب الأمريكي.

ويأتي التحول الأيديولوجي الذي حدث داخل تركيا وإسرائيل على رأس العوامل التي أحدثت الشق بينهما، فضلًا عن ظهور القومية العرقية الدينية في تركيا وإسرائيل؛ فقد أعربت تركيا عن معارضتها لأيديولوجية إسرائيل؛ بسبب سياساتها النابعة من تقاليدها العلمانية، وبصعود «أردوغان» وحزب العدالة والتنمية إلى السلطة منذ عام 2002، أخذ يسعى إلى إعادة بناء الهوية التركية التي تتوافق مع تقاليدها الإسلامية، وزيادة الارتباط الثقافي بمنطقة الشرق الأوسط، مما أدى إلى تضارب الآراء حول القضايا السياسية بين الجانبين.

وفي ضوء هذا النهج الجديد، اتخذ «أردوغان» موقفًا عدائيًّا إزاء إسرائيل مقارنة بأسلافه، وقد تمثل هذا العداء في استمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؛ حيث انتقدت أنقرة سياسة إسرائيل تجاه الشعب الفلسطيني. فكما ذكرت «إفرون»، في تقريرها، ان «الاضطرابات التي تشهدها العلاقات التركية الإسرائيلية لطالما كانت مرتبطة بالتطورات التي تحدث على الجبهة الفلسطينية الإسرائيلية»، إلا أنه بالنظر إلى الوقت الحاضر، نجد أن القضية الفلسطينية اكتسبت قوة جديدة بالنظر إلى التغير في السياسات التركية خلال فترة رئاسة «أردوغان»، تزامنًا مع تصاعد الممارسات الإجرامية الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين منذ تولي «بنيامين نتنياهو» رئاسة الحكومة، والحروب التي شنتها إسرائيل على غزة عامي 2008 و2014 ومسيرات العودة التي اندلعت منذ مارس 2018؛ فقد تبادل «أردوغان» و«نتنياهو» الإهانات اللاذعة التي أدت إلى تزايد التوتر في العلاقات بين الجانبين.

من ناحية أخرى، يبدو أن غياب الثقة في الولايات المتحدة كوسيط موثوق به، أحد هذه التغييرات التي تُهدد بترسيخ التباعد الحالي، ففي الماضي أثناء الخلاف بين تل أبيب وأنقرة، عملت واشنطن كحليف قوي لكليهما بهدف إصلاح العلاقات المتوترة بينهما، وكانت إدارة «أوباما» على وجه الخصوص هي التي أولت جُلَّ اهتمامها للقضية. 

أما الآن فقد تغيرت ديناميكيات هذا السياق بشكل كبير؛ فمن جهة، جنحت تركيا بعيدًا عن الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة، بعد تصاعد الخلاف بينهما على الصعيد السياسي، بسبب الدعم الأمريكي لأكراد سوريا. ومن ناحية أخرى، ما شهدته العلاقات من تقارب بين إسرائيل والولايات المتحدة في أعقاب انتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة، آخرها اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل، وقراره نقل السفارة الأمريكية إلى القدس. 

وبالنسبة إلى أنقرة، فقد أدى كل ما سبق إلى تعميق خلافاتها مع إسرائيل والولايات المتحدة، مما شكك في مصداقية الأخيرة كحَكَم في النزاعات بين الاثنين. علاوة على ذلك، تبنى «ترامب» سياسة خارجية انعزالية تسعى إلى عدم قيام واشنطن بدورها المعهود على صعيد الدبلوماسية العالمية، واختار التركيز على ضمان مصلحة الولايات المتحدة، بحسب ما ذكرته صحيفة «واشنطن بوست».

كما أن هناك تغييرًا آخر قصير الأجل طرأ على هذه العلاقة، فيما يخص الموقف من سوريا؛ ففي تسعينيات القرن الماضي، سعت تركيا وإسرائيل للضغط على الرئيس حافظ الأسد لكبح نهجه الإقليمي؛ حيث كانت تركيا تتخوف من إيواء دمشق للإرهابيين الأرمن والأكراد، فيما تسعى إسرائيل للضغط عليه بسبب تدخله في لبنان. وخلال الحرب الأهلية التي اندلعت في سوريا منذ عام 2011، تحالف الطرفان، مرة أخرى، بهدف تغيير النظام في البلاد، بالإضافة إلى الرغبة في احتواء الصراع منعًا للوصول إلى حدودهما. ومع تقدم الوقت وما يطرأ من تغيرات على الساحة السياسية، يجد كل منهما نفسه أمام متغيرات جديدة حول النزاع. ففي المقام الأول تخوفهما من الدور الإيراني في سوريا؛ حيث تتمثل الأولوية الحالية لإسرائيل في التقليل من النفوذ الإيراني في سوريا، بحسب ما ذكرته صحيفة «واشنطن بوست»، والذي ظهر من خلال نشرها قوات الحرس الثوري والمليشيات التابعة لإيران لدعم الرئيس «بشار الأسد». لكنه على الرغم من المعارضة التركية للوجود الإيراني في سوريا، فقد غضّت الطرف عن ذلك الوضع، مقابل الحصول على ضمانة من إيران بعدم السماح للفصائل الكردية بإقامة منطقة حكم ذاتي في البلاد على طول الحدود الجنوبية لتركيا. 

وفي خضمّ احتدام الصراع السياسي المتبادل بينهما، تطرق الطرفان إلى مبادرة لتقليص العلاقات التجارية؛ فقد صرح الرئيس «أردوغان» بأنه سيجري تقييم العلاقات التجارية والاقتصادية بإسرائيل، واتخاذ خطوات بخصوصها بعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التركية التي جرت يوم 24 يونيو 2018. أما في إسرائيل، فقد أعلن وزير الزراعة «أوري أريئيل»، في 15 مايو 2018، أنه أصدر تعليماته لوزارة الزراعة بوقف الاستيراد من تركيا إلى أن تتضح الأمور، وأعرب عن أمله أن يحذو حذوه وزراء آخرون، وفقًا لصحيفة «يديعوت أحرونوت».

وتعتبر العلاقات الاقتصادية أكبر مؤشر على خطورة الانقسام الراهن بين تل أبيب وأنقرة، ففي الماضي كانت إسرائيل وتركيا قادرتين على «فصل العلاقات الاقتصادية عن العلاقات السياسية والأمنية الاستراتيجية»، وذلك بحسب قول «شيرا إفرون»: «حتى في أوقات الأزمات، وحينما تم تعليق العلاقات الدبلوماسية بين عامي 2010 و2016 بين البلدين، ظلت التجارة الثنائية والاستثمار والسياحة مستقرة تمامًا، بل شهدت نموًّا في بعض الحالات، إلا أن الأولويات الاقتصادية الحالية للدولتين قد تحولت جذريًّا، عقب اكتشاف إسرائيل حقلي غاز «تامار» و«ليفياثان» في عامي 2009 و2010». 

وتسعى تل أبيب إلى جعل أنقرة، التي ترغب بدورها في تقليل اعتمادها على موارد الطاقة القادمة من الدب الروسي، سوق تصدير رئيسيًّا لمواردها من الطاقة. ومع مرور الوقت، أدى هذا الأمر إلى التفكير الجدّي من قِبَل الحكومتين بتأسيس خطوط أنابيب لنقل الطاقة بينهما. ولكن تدهور العلاقات بين البلدين في السنوات الماضية أدى إلى تغيير مواقف إسرائيل بشأن توسيع المشروعات الاقتصادية المشتركة. وبدلاً من ذلك، لجأت إلى اليونان وقبرص، وهما من أشد الدول المنافسة في منطقة المتوسط لأنقرة، وجعلتهما شريكين لها، بينما أكدت تركيا تركيزها على روسيا وإيران باعتبارهما شريكين اقتصاديين قويين لها في المقابل.

وبناءً عليه، يبدو أن إسرائيل أصبحت أكثر قربًا إلى التخلي عن الطبيعة غير المتناظرة لعلاقاتها بتركيا، حيث تبنت منذ عام 2017 سياسة المواجهة معها، من خلال الضغط على الولايات المتحدة من أجل سياسة أمريكية مشابهة لسياستها، لكن تركيا تملك في المقابل أوراق قوة عديدة في مواجهة إسرائيل، لم تُستخدم بعد؛ منها تخفيض علاقاتها الاقتصادية والتجارية بها، ومنع إسرائيل من استعمال مجالها الجوي، ووقف السماح لها باستيراد البترول من أذربيجان عن طريق الموانئ التركية، وفي ظل تلاشي العوامل الرئيسية التي كانت مسؤولة في السابق عن استقرار العلاقات الثنائية بين البلدين، فإنه يبدو أن تبنّي هذه الإجراءات يعني دخول العلاقات بين البلدين مسار تدهور يصعب الرجوع عنه.

ويختم التقرير المشار إليه بالقول إن العلاقات التركية الإسرائيلية هي اليوم في أسوأ حالاتها، إلا أن كلا منهما ليس قادرا على إعلان المواجهة للطرف الآخر؛ فتركيا ليست مستعدة لفتح جبهة علنية لمواجهة إسرائيل، ومن ورائها الولايات المتحدة. وفي المقابل إسرائيل لا ترغب في التخلي عن مصالحها في تركيا. لذلك تبقى الخطوط الخلفية للتواصل التجاري هي الضامن لعدم تجاوز هذه النقطة الحرجة التي لن تفيدهما ولن تحقق مصالحهما؛ إنها براجماتية السياسة. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news