العدد : ١٤٧٩٦ - الأربعاء ٢٦ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٦ محرّم ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٧٩٦ - الأربعاء ٢٦ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٦ محرّم ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

العرب وجرائم الكراهية في أمريكا

بقلم: د. جيمس زغبي

الثلاثاء ١٠ يوليو ٢٠١٨ - 01:15

تتأهب مؤسسة المعهد العربي الأمريكي لإطلاق دراسة شاملة حول جرائم الكراهية الموجهة ضد العرب في الولايات المتحدة الأمريكية وذلك في الأسبوع القادم. تعتبر هذه الدراسة عصارة جهود تواصلت على مدى ثمانية أشهر، وهي دراسة ذات أهمية كبيرة لأنها تسدّ فراغا في الدراسات المتعلقة بجرائم الكراهية. ستصدر هذه الدراسة المنتظرة تحت عنوان «جرائم الكراهية في الولايات المتحدة واستهداف العرب الأمريكيين». 

تعتبر هده الدراسة أكثر من مجرد عملية جمع لأعمال العنف أو التهديدات الموجهة ضد الأشخاص الذين ينحدرون من أصل عربي. فهذه الدراسة تقوم أيضا بعملية مراجعة تاريخية للكيفية التي تعاملت بها أجهزة إنفاذ القانون )أو بالأحرى عدم تعاملها) مع جرائم الكراهية الموجهة ضد العرب الأمريكيين في الولايات المتحدة. 

يرصد التقرير أيضا نسبة أداء الولايات الأمريكية الخمسين، وكذلك دائرة كولومبيا سواء فيما يتعلق بما إذا كانت تملك إحصائيات توثق جرائم الكراهية ضد العرب وما إذا كانت توفر التدريب اللازم في مجال إنفاذ القانون. يركز التقرير في خاتمته على تقديم جملة من التوصيات الموجهة إلى الحكومات الوطنية والمحلية لمساعدتها في تحسين آليات الإبلاغ، وأسلوب التعامل مع جرائم الكراهية الموجهة ضد العرب الأمريكيين في الولايات المتحدة.

لقد خلص التقرير إلى أن الصور النمطية السلبية والاقصاء السياسي الممنهج من العوامل التي تسببت في تعميق هشاشة أوضاع العرب الأمريكيين، غير أن التهديدات وأعمال العنف الموجهة ضد الجالية العربية في الولايات المتحدة الأمريكية قد «تفاقمت تاريخيا، على وجه الخصوص، في ظل التطورات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط أو في خضم أحداث العنف الجماعي، سواء أكان مرتكبها من أصل عربي أم لا». لقد أظهرت هذه الدراسة أن أعمال العنف الانتقامية قد تفاقمت «في خضم المناخ السياسي الحالي».

يوضح التقرير أن الحكومة الفيدرالية والحكومات الأخرى على مستوى الولايات قد تهاونت بدرجات متفاوتة في التعامل مع هذه المشكلة. فقد بدأت الشرطة الفيدرالية الأمريكية -الإف بي آي- تجمع المعطيات حول جرائم الكراهية، بما في ذلك الجرائم التي تستهدف العرب الأمريكيين، وذلك بعد أن أصدر الكونجرس الأمريكي قانون إحصائيات جرائم الكراهية سنة 1990.

 في سنة 1992 قالت الحكومة الفيدرالية الأمريكية للشرطة الفدرالية إنه لا يمكنها نشر الأرقام والمعطيات الاحصائية المتعلقة بجرائم الكراهية. لذلك فقد تمت إزالة الفئة المخصصة لجمع المعلومات والأرقام الاحصائية المتعلقة بجرائم الكراهية التي تستهدف العرب الأمريكيين في الولايات المتحدة. 

في الحقيقة لم يمنع ذلك الإجراء الأجهزة المحلية المكلفة بإنفاذ القانون من الإبلاغ عن مئات من الحوادث التي تتنزل في فئة جرائم الكراهية الموجهة ضد العرب الأمريكيين في الولايات المتحدة، وذلك حتى سنة 2003. في سنة 2003 أعلمت الشرطة الفيدرالية الأمريكية أنها ستبدأ في رفض «المعطيات التي لا يتم تشفيرها بالشكل المطلوب».

 رغم أنه أعيد تفعيل فئة الجرائم الموجهة ضد العرب الأمريكيين بداية من سنة 2015 فإن الدراسة التي أعدتها مؤسسة المعهد العربي الأمريكي، والتي ستصدر في الأسبوع القادم، قد أظهرت أنه لا يزال يوجد نقص كبير في الاحصائيات الفيدرالية المتعلقة بجرائم الكراهية الموجهة ضد العرب الأمريكيين. 

لعل ما يؤكد هذا القصور هو أن عدد جرائم الكراهية التي تبلغ عنها الحكومات المحلية في الولايات تفوق بكثير عدد هذه الجرائم الموثقة على المستوى الفيدرالي. فقد اتضح أن حكومات الولايات قد وثقت «آلاف جرائم الكراهية الموجهة ضد العرب الأمريكيين غير أنها لم تنشر في الأرقام الإحصائية الفيدرالية». 

تكتسي هذه المسألة بعدا شخصيا بالنسبة إلي. من خلال تجربتي الشخصية أدرك جدا مدى خطورة جريمة الكراهية الموجهة للعرب الأمريكيين مثلما أدرك ما يسببه ذلك من معاناة. فقد وصلني أول تهديد بالقتل في شهر ابريل من سنة 1970 في شكل رسالة كتب في مقدمتها ما يلي: «أيها الكلب العربي، ستموت...»؟ في سنة 1980 تعرض مكتبي لهجوم بالقنابل الحارقة، كما وصلتنني عديد التهديدات بالقتل على مدى العقدين الماضيين. 

بعد سلسلة من التهديدات بالقتل تعرض زميلي وصديقي أليكس عودة للاغتيال في ولايات كاليفورينا، وذلك في هجوم بقنبلة استهدف مكتبه سنة 1985. منذ هجمات 11 سبتمبر 2001 سجن ثلاثة أشخاص لأنهم هددوا بقتلي وقتل أطفالي والموظفين الذين يعملون معي. 

لقد لاحظت من خلال هذه الأحداث المتتالية وجود الكثير من السمات النمطية المتكررة. ففي أغلب الأحيان كانت جرائم الكراهية ذات دوافع سياسية ومرتبطة بالقناعات العنصرية لمرتكبها الذي يعتبر أن كل العرب من دون استثناء مسؤولون عن أحداث العنف التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط أو هنا في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها.

 كانت بعض جرائم الكراهية في الولايات المتحدة ترمي أساسا إلى إسكاتي أنا شخصيا وإسكات العرب الأمريكيين الآخرين ومنعهم من التحدث وإثارة بعض المسائل المهمة والحساسة. لم يكن الهدف من الدراسة التي أجرتها مؤسسة المعهد العربي الأمريكي التحقق من دوافع مرتكبي جرائم الكراهية، غير أن تجربتي علمتني أن أتساءل دائما: «لماذا؟». 

في سنة 1985 أغلب التهديدات الموجهة لنا نحن العرب الأمريكيين كانت مسبوقة بعمليات تحريضية. قلت في شهادتي في الكونجرس الأمريكي: «إن أعمال العنف والتهديدات باستخدام العنف ضد العرب الأمريكيين تعتبر مجرد جزء من صورة أكبر تشمل العنصرية والمضايقات والترهيب. يمكننا أن نوثق الكثير من الأمثلة التي تعكس التمييز السياسي الذي يستهدف العرب الأمريكيين، إضافة إلى وضع «قوائم سوداء» بالنشطاء السياسيين والمتحدثين باسم العرب الأمريكيين، إضافة إلى المحاولات الرامية إلى ربط زعماء العرب الأمريكيين ومنظماتهم بالإرهاب واتهامهم بدعم الارهابيين». 

«من شأن هذه الأعمال والممارسات أن تجعل العرب الأمريكيين يعيشون في مناخ من الخوف الذي يمنعهم من التحدث بكل حرية أو المشاركة في النشاط السياسي القانوني، كما من شأن هذه الممارسات أن تؤدي إلى تقوية الخصوم السياسيين للعرب الأمريكيين إلى حد أن بعض هؤلاء الخصوم قد عمدوا إلى التعبير عن معارضتهم لأي محاولة لإدراج أعمال العنف الموجهة إلى العرب الأمريكيين وبقية المنظمات التابعة لهم». 

كانت بعض الهجمات وحملات الثلب صادرة عن بعض المنظمات الكبرى الموالية لإسرائيل. أدت كل هذه الهجمات والحملات المغرضة والتهديدات إلى خلق وضع أصبح يصعب فيه على العرب الأمريكيين تطبيع مشاركتهم السياسية وإحباط الآخرين وجعلهم يعزفون عن المشاركة السياسية، وهو ما يمثل حسب رأيي الهدف الأساسي من هذه الحملات والتهديدات. لقد تسببت هذه العوامل على مرّ العقود والأعوام في زيادة هشاشة العرب الأمريكيين في وجه التهديدات التي تستهدفهم وجعل الضحايا من العرب الأمريكيين يعزفون عن الابلاغ عما تعرضوا له. 

ما الذي يجعل مناقشة الأوضاع السياسية في منطقة الشرق الأوسط تقودنا إلى تحليل جرائم الكراهية التي تستهدف العرب الأمريكيين في الولايات المتحدة؟ لقد خلصت الدراسة التي أجرتها مؤسسة المعهد العربي الأمريكي إلى أن أعمال العنف التي تستهدف العرب الأمريكيين إنما تتنزل في إطار الاتجاهات التاريخية المعادية للعرب والدور الذي تلعبه السياسات الاقصائية في تأجيج هذه المواقف العدائية الموجهة ضد العرب الأمريكيين. إن هذا الاقصاء أو الخوف من الاقصاء هو الذي جعل العرب الأمريكيين يعزفون، في كثير من الأحيان، عن الابلاغ ومخاطبة الرأي العام بسبب التهديد الذي يستهدف حياتهم. 

من حسن الحظ أن هذه الأوضاع قد تغيرت إلى حد كبير. لا شك أن العرب الأمريكيين لا يزالون يستهدفون بالثلب والحملات المغرضة غير أنهم لم يعودوا يعانون من الاقصاء من الحياة السياسية. فقد أصبح للعرب الأمريكيين صوت وحلفاء يهبون للدفاع عنهم كلما اقتضى الأمر ذلك. ورغم أن بعض التجاوزات في بعض المجالات الأخرى لا تزال تثير المخاوف فإن الأجهزة المكلفة بإنفاذ القانون قد أصبحت أكثر تجاوبا في التعامل مع جرائم الكراهية الموجهة ضد العرب الأمريكيين في الولايات المتحدة. 

خلال العقود الأربعة الماضية تحسن أداء الأجهزة الفيدرالية المكلفة بإنفاذ القانون في التعامل مع جرائم الكراهية. ففي الماضي، كان العرب الأمريكيون يترددون حتى في الابلاغ عن تهديدات القتل التي تصلهم بسبب سلوك وممارسات أعوان الشرطة الذين يأتون لزيارتهم. 

عقب الهجوم الذي استهدف مكتبي سنة 1980 شعرت وكأن الأعوان يحققون معي بشأن الجالية العربية في الولايات المتحدة الأمريكية أكثر مما يحققون معي بشأن مرتكبي ذلك الاعتداء الذي استهدفني -أعني رابطة الدفاع اليهودية المدرجة على قائمة الاف بي آي للتنظيمات الارهابية. أصدر هذا التنظيم بيانا يؤيد فيه الهجوم الذي استهدف مكتبي، علما وأن مؤسس هذا التنظيم اقتحم مكتبي ذات يوم يصيح: 

«أنا أعرف جيدا من يوجد هناك.. جبناء ومؤيدو الارهاب. لقد حرق مكتبهم وقد فرّوا وغيروا أسماءهم لكننا نعرف من هم». 

في سنة 1985، ذهبت إلى مدير الاف بي اي وحملت معي أكثر من 100 من العرب الأمريكيين الذين يشتكون من ممارسات الاف بي آي ومضايقاتهم، من بينهم اثنا عشر من العرب الأمريكيين الذين يبلغون عن تهديدات العنف التي وصلتهم. يومها سألت مدير الاف بي اي: «لماذا تمضون الكثير من الوقت وتنفقون الكثير من الموارد من أجل مضايقتنا ولا تخصصون سوى القليل من وقتكم من أجل الدفاع عنا». بعد مرور أشهر قليلة، تعرض أحد أولئك العرب الذين أبلغوا عن تلك التهديدات -واسمه أليكس عودة- للاغتيال في مكتبه. 

تغيرت الأوضاع كثيرا عقب هجمات 11 سبتمبر 2001 بشكل كبير. فقد أصبح قسم العدل والحقوق المدنية يأخذ مأخذ الجدّ فيما تظل مشاكل أخرى قائمة. أصبحت الجالية العربية تتمتع بالحماية إلى حد ما إذ أن السلطات المعنية تتولى التحقيق وتحويل القضايا إلى العدالة، علما بأنه قد صدرت أحكام بالإدانة في أكثر من مائة جريمة كراهية. 

لقد أمكن تحقيق بعض التقدم الملموس فيما يظل عمل آخر في انتظار الانجاز. في هذا السياق تصدر هذه الدراسة الشاملة عن مؤسسة المعهد العربي الأمريكي وتتناول بالتحليل جرائم الكراهية الموجهة ضد العرب الأمريكيين في الولايات المتحدة. أعتقد أن هذه الدراسة ستكون مصدرا مهما يعتمد عليه صناع القرارات السياسية والأجهزة المكلفة بإنفاذ القانون والجالية المقيمة في الولايات المتحدة الأمريكية. 

 

‭{‬ رئيس المعهد العربي الأمريكي.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news