العدد : ١٤٧٢٤ - الاثنين ١٦ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٣ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٢٤ - الاثنين ١٦ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٣ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

مسافات

عبدالمنعم ابراهيم

ذكريات حفر المجاري.. «أم الشعوم»

  حرارة الصيف اللاهبة هذه الأيام جعلتني أتذكر صيفا مماثلا في المرحلة الاعدادية والثانوية في أواخر الستينيات من القرن الماضي (العشرين)، حيث فتيان المحرق بفرجانها (البوخميس والبنعلي والصاغة) وغيرها، يستفيدون من (الإجازة الصيفية) بالعمل في مهن متنوعة (عمال بناء أو نجارة أو طلاء بيوت أو عتالين في فرضة المحرق والمنامة)، وقد كنت أنا وإخوتي وزملاء المدرسة جزءا من هذا الفريق المراهق الذي يعمل في إجازة الصيف لتوفير بضعة نقود تساعد على الوفاء بالتزامات المدرسة.. ولم يكن أمامي سوى العمل في قطاع المقاولات، وحفر جداول الصرف الصحي في أواخر الستينيات.. ولست وحيدًا طبعًا، كان معظم شبان (فريق البوخميس) يعملون في مقاولات (عبدالرحمن البناء) رحمه الله.. وأتذكر أنني كنت مع صديق الطفولة المرحوم (علي عبدالله الشاعر) نحفر جدولاً للصرف الصحي مع آخرين في منطقة (أم الشعوم) الزراعية.. حيث كانت الضفادع تشاركنا الخوض بأقدامنا في مياه الترع (الساب) ملطخين بالطمي والطين، وحرارة الصيف آنذاك كانت فوقنا كما الأفران الساخنة في المخابز.. وكانت والدتي أطال الله في عمرها تعطيني للغداء (فاصوليا) حمراء مع الخبز، ولأننا نعمل في منطقة ريفية كانت تعج بالنمل.. فتحت (الصفرطاس) أثناء فترة الغداء فوجدت فيه نملاً يغزو طعامي، لم أرغب في الأكل رغم الجوع.. لكن المرحوم (علي الشاعر) أخذ قطعة من الخبز وخلطها بالفاصوليا والنمل، وقال (أين هو النمل)؟!.. لا يوجد نمل.. بل فاصوليا حمراء لذيذة!

وقلت في نفسي: (إذا كان أهل البحرين يأكلون الجراد المشوي.. فلماذا لا نأكل النمل؟! وأكلنا معًا وجبة الغذاء.. وبعد ذلك عدنا للعمل في حفر المجاري، وأثناء انهماكي في العمل انغرست شوكة حادة في رسغ يدي اليسرى، لا تزال بعض آثارها بيّنة حتى الآن.. وسال دم غزير من يدي، ولم أطلع المسؤول (فورمان) على ذلك، خوفًا من أن يوقف عملي ورزقي في المقاولات.. فقط لففت يدي بخرقة حتى يتوقف تدفق الدم.. والحمد الله توقف مع انتهاء فترة العمل.

وتدور عقارب الزمن.. وكل يوم أذهب فيه إلى شارع (أم الشعوم) أتذكر حياتنا الشاقة في إجازة الصيف.. لكن المنطقة كلها تغيرت بما فيها الماحوز.. تعج بالمجمعات التجارية والمراكز الطبية والملاعب الرياضية والصيدليات وحركة البشر من مختلف الجنسيات تضج هناك كالنمل الذي أكلته!.. وكل مرة أدخل فيها برادات (الجزيرة) أقول للعامل الهندي (سونيل): (أعطني بطيخة حمراء لذيذة رجاءً).. لكن بيني وبين نفسي أضيف (بطيخة حمراء تشبه دمي الذي سال في حفر مجاري أم الشعوم)، وأخرج بالبطيخة قائلاً: (الحمد الله.. دمي لم يذهب سدى.. فقد عمّر وطنًا).

إقرأ أيضا لـ"عبدالمنعم ابراهيم"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news