العدد : ١٤٧٣١ - الاثنين ٢٣ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٣١ - الاثنين ٢٣ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

قوة عسكرية أوروبية لمواجهة الأزمات: الدلالات الأوروبية والانعكاسات الإقليمية

بقلم: د. أشرف محمد كشك

الاثنين ٠٩ يوليو ٢٠١٨ - 01:15

أعلنت 9 دول أوروبية، وهي «فرنسا وألمانيا وبلجيكا والدنمارك وإستونيا وهولندا والبرتغال وإسبانيا» بالإضافة إلى بريطانيا، تأسيس قوة عسكرية لمواجهة الأزمات، وذلك خارج منظومة الاتحاد الأوروبي في الخامس والعشرين من يونيو 2018 وأطلق عليها «مبادرة التدخل الأوروبية»، وواقع الأمر بالرغم من أن تلك المبادرة لم تصدر عن الاتحاد كمنظومة فإنها تعدّ تطوراً نوعياً سواء على صعيد الاتحاد الأوروبي أو فيما يتعلق بعلاقة المنظومة الأوروبية بحلف شمال الأطلسي «الناتو» الذي تحظى العديد من الدول الأوروبية بعضويته في الوقت ذاته، أو فيما قد يرتبه ذلك القرار من تأثير على عمل الاتحاد الأوروبي خارج أراضيه عموماً وفي منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي على نحو خاص.

ومع أنها ليست المرة الأولى التي يثار فيها الحديث عن الخيار الأوروبي الذاتي للدفاع عن أمن الدول الأوروبية التي دأبت على الاعتماد على كل من الولايات المتحدة وحلف الناتو كمظلتين أمنيتين في هذا الشأن، فإن المستجدات التي شهدتها البيئة الدولية قد أملت على الدول الأوروبية اتخاذ ذلك القرار ابتداءً بمطالبة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الدول الأوروبية بضرورة إنفاق المزيد على مجال الدفاع.. تلك المطالبات التي وجدت سبيلها داخل حلف الناتو، حيث طالب الرئيس ترمب أعضاء الحلف بالالتزام بتخصيص نسبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي لنفقات الدفاع، وهو الأمر الذي التزمت به بعض دول الحلف وليس جميعها، وانتهاءً بظهور تباينات أخرى ألقت بظلالها على الأطر الجماعية التي تضم الجانبين، منها مجموعة الدول الصناعية السبع التي شهدت قمتها المنعقدة في مقاطعة كيبك بكندا يومي 8 و9 يونيو 2018 للمرة الأولى خلافاً علنياً بين الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين في مؤشرات واضحة على بدء حرب تجارية محتدمة بين الشركاء التقليديين، فضلاً عن الخلافات الأخرى الموجودة بالفعل بين الجانبين منها الخلاف المتعلق بالملف النووي الإيراني. 

ومع أهمية ما سبق فإن تساؤلين يفرضان ذاتهما، أولهما: هل يعد ذلك القرار خطوة أوروبية نحو تحقيق هوية أمنية خاصة بتلك القارة؟ وثانيهما: ما الدلالات الدولية والإقليمية لذلك القرار؟

 في تقديري.. إن مدى نجاح تلك الخطوة يرتبط بثلاثة عوامل أساسية: الأول: ألا تتعارض مع الخطوات التي سبق أن أعلنها الاتحاد الأوروبي في هذا الشأن حيث وقع الاتحاد الأوروبي اتفاقاً دفاعياً في ديسمبر 2017 استهدف تطويرا مشتركا للقوات والأسلحة، فضلاً عن إطلاق عملية «صوفيا» في عام 2015 لمواجهة عصابات لتهريب المهاجرين في البحر المتوسط وتم تمديد عملها إلى نهاية عام 2018، والثاني: أن تعكس تلك الخطوة توافقاً أوروبياً جماعياً بشأن الأمن الذاتي الأوروبي بعيداً عن محاولات هذا الطرف أو ذاك ترسيخ قيادته داخل الاتحاد وهذه مسألة أساسية وجوهرية، لأنه إذا كان مقبولاً أن يتيح الاتحاد لأعضائه عبر مسيرته الممتدة قدراً كبيراً من المرونة وخاصة فيما يتعلق بالمسائل الخاصة بالوحدة الاقتصادية فإن الأمر يبدو مختلفاً عند الحديث عن الدفاع الذي يتضمن التزاماً فعلياً من خلال تخصيص الموارد اللازمة لذلك بشكل يلزم الدول إذا ما قررت دول الاتحاد تبني تلك المبادرة بشكل رسمي داخل الاتحاد بشكل مؤسسي، أما العامل الثالث فيتمثل في ضرورة بل حتمية وجود تصور واضح لدى أعضاء المنظومة الأوروبية حول الخطوط الفاصلة مع حلف الناتو، بمعنى أين ينتهي دور حلف ومتى يبدأ دور تلك القوة الأوروبية؟ وكيف يمكن للدول الأوروبية التوفيق بين التزاماتها داخل المنظومتين؟ صحيح أن هناك تعاونا بين الجانبين عبر عنه الاتفاق الذي تم توقيعه بينهما في السادس من ديسمبر عام 2016 وشمل 40 اقتراحًا لتعزيز التعاون في 7 مجالات أمنية، بيد أنه لا تزال هناك قضايا تحتاج إلى إيضاح وخاصة في ظل تأكيد الدول الأوروبية أن القوة العسكرية التي تم الإعلان عنها سوف تعمل قرب حدود أوروبا في الوقت الذي لدى حلف الناتو قوة مماثلة تسمى «قوات المسعى النشط» تجوب مياه البحر المتوسط طولاً وعرضاً وتكمن مهمتها الأساسية في اعتراض أي سفن يشتبه في أنها تحمل أسلحة دمار شامل أو جماعات إرهابية، ولا ينفي ما سبق دعم الحلف للقوة الأوروبية الجديدة، وهو ما عبر عنه الأمين العام للحلف ينس ستولتنبرج بالقول إنه «سوف يدعم تحديث جيوش أوروبا وجعلها أكثر قدرة على الحشد السريع».

 وبغضّ النظر عن المعوقات التي قد تواجه عمل تلك القوة الجديدة فإنها سوف تنعكس بشكل إيجابي في مجمل منظومة الأمن العالمي من خلال ظهور خيار أوروبي مهمّ في ظل وجود تحديات أمنية تمثل هاجساً إقليمياً ودولياً في آن واحد ليس أقلها ظاهرة الهجرة غير الشرعية التي تتطلب ما يمكن أن يطلق عليه «آلية الرد السريع» بعيداً عن انتظار توافقات مطولة داخل مؤسسات الاتحاد، بالإضافة إلى أن تلك القوة من شأنها أن تمد جسور التواصل مجدداً بين دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا التي أضحت خارج المنظومة الأوروبية.. من ناحية أخرى فإن وجود تلك القوة من شأنه تحقيق إضافة نوعية للأمن الإقليمي سواء في منطقة الشرق الأوسط أو المحيط الجيواستراتيجي لدول الخليج العربي والتي شهدت تجارب مهمة للاتحاد الأوروبي في محاربة القرصنة قبالة القرن الإفريقي منذ عام 2008 حتى الآن والمعروفة باسم «أتلانتا».

وأتصور أن نجاح تلك القوة في تحقيق أهدافها لن يكون له انعكاسات على الاتحاد الأوروبي فحسب بل على هيكلية الأمن العالمي الراهن الذي تطول آثاره بطبيعة الحال منظومة الأمن الإقليمي. 

* مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية

 بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة

 

 

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news