العدد : ١٤٧٢٩ - السبت ٢١ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٢٩ - السبت ٢١ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

اكسر قوقعتك وفكر بطريقة مختلفة (2)

بقلم: د. زكريا خنجي

الأحد ٠٨ يوليو ٢٠١٨ - 01:15

كان جوابي واضحا على الكثير من السادة القراء الذين كتبوا أو اتصلوا بي بعد نشر مقال الأسبوع الماضي «كلنا مدفون في قوقعة، أو كلنا لدينا قوقعة، أو كلنا نحتاج أن نكسر تلك القوقعة»، فعدد من السادة القراء لم يتقبل أنه أو أننا نعيش في قوقعة فكرية أو جسدية، وهذا بحسب رأيهم الشخصي.

ولكن الحقيقة واضحة وضوح الشمس في منتصف النهار، فنحن نعيش في قوقعة شئنا ذلك أم أبينا، هذه القوقعة ليست من صنع أيدينا، ولسنا نحن من بنيناها، وإنما بعد أن خرجنا إلى الدنيا ساهم والدونا -سواء بوعي أو من غير وعي- في بناء تلك القوقعة من حولنا، وذلك من خلال تربيتنا على عدم الخروج على الأعراف والتفكير المجتمعي الذي نعيش، وربما بسبب الخوف، أو ربما بأسباب أخرى كثيرة، وعندما كبرنا بعض الشيء وخرجنا من كنف والدينا واجهتنا تقاليد المجتمع وكل تلك الأطر التي أصبحنا ملزمين بالعيش فيها فخنعنا وعشنا، وبعضنا ربما تمرد في فترة من فترات حياته، وبعضنا الآخر -برغبة منه هو شخصيًا- كان يزيد بناءً فوق بناء قوقعة المجتمع، وحتى عندما يبلغ من العمر سنوات بعيدة يجد نفسه في موقعه الذي بدأ منه، فلا تغيرت وظيفته ولا درجته ولا أي شيء، كل ذلك خوفًا وهروبًا من التفكير وخوفًا من الكثير من مواجهات الحياة.

وكان السؤال الأكثر طرحًا من السادة القراء: «حسنٌ، نحن نريد أن نفكر بطريقة مختلفة، ولكن كيف؟».

أعتقد أنه ليس من السهل الإجابة عن مثل هذا السؤال، ففي الحقيقة لم أجد العصا السحرية التي تمكن من الإجابة الفورية عن هذا السؤال، إلا أنه ربما بالعودة إلى حياة العلماء والمفكرين يمكننا أن نستخلص بعض العناصر التي يمكن تلخيصها في النقاط التالية، مثل:

1- القراءة؛ فما من مفكر إلا وكانت القراءة جزءا مهما من حياته، فإن كنت ترغب في التفكير والخروج عن المألوف فابدأ بالقراءة، يمكنك أن تقرأ في كل الفنون، ولا تستمر في القراءة في فن واحد، فإن كنت متخصصًا في علم من العلوم فمن الجميل أن تتعمق فيه، ولكن هذا لن يجعلك تخرج عن حدود تفكيرك وإنما ما ينبغي أن تفعله هو أن تقرأ في كل الفنون وفي كل التخصصات وفي كل فروع المعرفة، فإن ذلك سيوسع مدارك عقلك وهذا سيتيح لك التفكير في أمور لم تكن تفكر فيها سابقًا.

وإن لم تكن ترغب في القراءة من كتاب أو من موقع إلكتروني لأنك سمعي النمط، فيوجد اليوم بعض المواقع على الإنترنت تساعدك في قراءة كتاب من خلال الاستماع لأحدهم وهو يقرأ كتابا، فيمكنك الاستماع للمذيع وهو يقرأ كتابا سواء أثناء ممارسة الرياضة أو التجول في السوق أو حتى في لحظات الاسترخاء والراحة. 

2- سافر للتعرف على الدول والحضارات؛ ففي السفر الكثير من الفوائد، منها أن تتعرف على الناس في تلك الدول وعلى قدراتهم ومنجزاتهم، ولكن لا تقض جل أوقات السفر في الأسواق والتنزه فقط، وإنما حاول أن تقضي جزءا من وقتك في زيارة المتاحف والمكتبات، والمراكز العلمية والتثقيفية، وتعرف على الحضارات وتاريخ الدول بخيرها وشرّها، فيمكن أن تجد ضالّتك في أصغر شيء يعبر أمامك في لحظة. وإن لم تتمكن من السفر فيمكن أن...

3- اقرأ عن الشعوب والآخرين؛ واقرأ عن معتقداتهم، تعرف على أفكار الناس وكيف يفكرون وكيف يعيشون، فإن ذلك يتيح لك مساحة كبيرة في التأمل والتفكير، فإن لم تتمكن من السفر بسبب أو بآخر فتعرف على الناس من خلال التواصل مع الشعوب وتاريخها عبر ما كتب عنهم. 

4- خصص وقتًا للخلوة والتأمل؛ مشاغل الحياة كثيرة والأوقات قصيرة، فما أن يبدأ الصباح وتستيقظ من النوم حتى تجد نفسك في المساء تستعد للنوم مرة أخرى، ولكن أن نجري من غير فترة راحة للنفس والفكر فإن هذا انتحار، فالحياة تجري ونحن نجري، لذلك فإننا -وبالذات في هذا العصر المضطرب- نحتاج إلى فترات للخلوة والتأمل والهدوء، نحتاج أن نجالس أنفسنا ونفكر بهدوء في كل الذي يحيط بنا، فلتكن نصف ساعة في اليوم مثلاً، نجلس في هدوء من غير تلفون أو تلفزيون أو كتاب، من غير أي شيء، نجلس في غرفة هادئة للوقت الذي حددناه لأنفسنا، ثم نفكر في كل شيء، فكل شيء متاح للتفكير والتأمل.

5- وسع دائرة الاحتمالات واقبل كل الأفكار السخيفة والمستحيلة؛ من يريد أن يفكر بطريقة مختلفة فإنه يجب أن يسمع كل الأفكار سواء السخيفة منها أو السطحية أو أيًا كان نوعها، حتى إنه يمكنك أن تستمع في بعض الأحيان إلى الأطفال وربما تجالسهم، فالكثير من هذه الفئة وتلك لديهم وجهات نظر تعدّ غريبة بعض الشيء ولكنها في الحقيقة قد تصبح قيّمة في لحظة من اللحظات، فيجب ألا تعتقد بوجود أفكار سخيفة أو سطحية أو مستحيلة، فلكل فكرة موقع وزمان مناسبان، فإن لم تكن مناسبة في هذه اللحظة فإنها قد تكون مناسبة للحظة أخرى، لذلك اسمع لكل تلك الأفكار وتقبلها، لأنها قد تساعد يومًا ما.

6- اطرح الكثير من الأسئلة؛ فكلما طرحنا الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات أصبحت لدينا حصيلة كبيرة من المعرفة، ولا تضع حدودا لأسئلتك، اسأل في كل شيء وأي شيء، وخاصة وأنت تبحث عن المعرفة وليس لمجرد الجدال والبحث عن المعلومات للرد على فكرة فلان أو علان. ولا تطرح الأسئلة التي عادة ما تكون إجابتها (نعم) أو (لا)، وإنما أنت تحتاج إلى إجابات تفصيلية وواضحة فأنت تبني المعرفة لتساعدك على التفكير المختلف، لذلك فأنت تبحث عن أسئلة وإجابات مختلفة. 

7- فكر في النقيض واقلب الموضوع؛ وربما يساعدك في ذلك أن تنظر للأمور بطريقة مختلفة، فعادة إن عرضت علينا فكرة أو قضية فإننا –بحكم العادة- نفكر فيها بنفس الطرق التي كنا نفكر بها عشرات المرات، لا نعرف أن نفكر بطريقة مغايرة أو مختلفة، فالخطوات هي هي، والفكرة كما هي، والحل لا حول لها ولا قوة، الآن ونحن نحاول أن نفكر بطريقة مختلفة نحتاج أن نأتي بالموضوع ونقلبه، ونعيد دراسته، ونحلله ونفكر فيه بطريقة لم نكن نفكر بها من قبل، مرة ومرات، عندئذ يمكن أن نتحول إلى التفكير المغاير المختلف. 

8-  اقبل الإثبات ولا تتحيز لمعتقداتك القديمة؛ فمهما كانت معتقداتك فإن هناك من يخالفك الرأي فيها، فلا تعتقد أن ما تؤمن به هو الصحيح حتى وإن كان صحيحًا، فالكثير من الناس قد لا يعتقدون اعتقادك ولا يذهبون لفكرك، وهذا شعور طبيعي أن نتعصب لما نؤمن به، ولكن اقبل الرأي الآخر مهما كان، فالسماع للرأي الآخر لا يعني أبدًا أن نؤمن به وإنما من حق الآخرين إبداء آرائهم ومعتقداتهم مهما كانت، فليس من حقي أن أكون أنا دائمًا على حق، لذلك أصغ لما يقول الآخرون ولا تتحيز وإنما في بعض الأحيان قد تجد عند الآخرين الكثير من الاطروحات التي يمكن أن تستفيد منها في توسيع مدارك تفكير، والشخص الذي لا يحب أن يصغي للآخرين عادة ما يكون مهزوزا وخائفا لأنه عديم الثقة بنفسه. 

9- تحرر من الأفكار السائدة في المجتمع؛ ولكن ليس كل ما يطرح في المجتمع سيئا، فنحن في المجتمعات العربية الإسلامية نمتلك -بحمد الله- الكثير من القيم الأخلاقية والفكرية التي تؤهلنا للارتقاء، ولكن على الرغم من ذلك هناك الكثير من الأعراف التي تقف في وجه الإنسان وتضعه في أطر لا يستطيع الفكاك منها، مثل قانون العيب والقوانين المرتبطة بالخوف والرهبة، فمثل هذه القوانين والأعراف تقفل العقول وتحيطها والقلوب بأسلاك شائكة يصعب الخروج منها والتمرد عليها، فالتحرر وكسر هذه الأغلال مطلب أساسي للتفكير بطريقة مختلفة. 

10- خالط الأذكياء والأطفال والحمقى؛ عادة عندما تتحدث الأدبيات عن التفكير الإبداعي وما إلى ذلك فإننا نتحدث عن مخالطة الأذكياء فقط، ولكننا هنا عندما نرغب في التفكير بصورة أو بطريقة مختلفة فإننا ننصح بمخالطة كل فئات المجتمع، ذكيهم وغبيهم، فمع الذكي نرتقي في تفكيرنا وحواراتنا ومع الحمقى يمكننا أن نتعلم رجاحة تفكيرنا وتفكير الآخرين، ومع الأطفال يمكننا أن ننظر إلى أبعاد أخرى لم نفكر فيها مسبقًا. والفكرة من كل هذا ألا نقولب أنفسنا في أطر وقوالب ثم نشتكي. 

11- رحب بالأفكار المجنونة؛ في أحيان كثيرة ترد على أذهاننا أفكار غريبة أو كما يقال مجنونة، ولأنها كذلك فإننا نستحي أن نبديها للعيان لذلك تبقى في تلافيف المخ ولا تخرج، في بعض الأحيان هذه الأفكار التي نعتبرها غريبة أو مجنونة قد تصبح مذهلة في يوم ما. فالكثير من الأفكار التي كانت في حينها مجنونة أصبحت اليوم واقعا رائعا وجميلا، فلو لم يفكر عباس بن فرناس في الطيران ذات يوم لما تمكن الإنسان من صنع الطيارة.. وقس على ذلك الكثير. 

12- سجل أي فكرة جديدة وادرسها جيدًا؛ إن فكرت وتوصلت إلى أي فكرة -سواء كانت مجنونة أو غير ذلك- فمن الأفضل دائمًا أن تدوّنها، سواء في دفتر المذكرات الذي تحمله معك باستمرار أو في جهازك الذكي، فالأفكار من طبيعتها أن تطير وتتبخر في لحظات، لذلك فإن التسجيل والتدوين يساعدان المرء على إعادة التفكير في الفكرة مرة ومرات، وربما النظر إليها من زوايا مختلفة بعد ذلك، أو تطويرها أو حتى تأجيلها الى فترة أخرى حينما يتاح الوقت لذلك، وكذلك لا تهمل أي فكرة ترد على ذهنك، أيًا ما كانت وبأي صورة وسذاجة كانت، فلكل فكرة موقع وزمان. 

13- فكر تفكيرًا مزجيًا كفكرة دمج الإنترنت بالهاتف النقال؛ من وسائل التفكير الابتكاري أن تمزج بين الأفكار، ففي بعض الأحيان قد يقف عقلك عن التفكير لسبب أو لآخر، ولكن هذا لا يعني أن الإبداع والابتكار توقفا، وإنما إن لم أستطع التفكير في أمر جديد فيمكن أن أبتكر شيئا من أمور عديدة موجودة، وكل الذي تريده هذه الأمور مجرد لحظات من التأمل والتفكير، فالشخص الذي غير الهواتف العادية إلى هواتف ذكية وأدخل فيها آلات التصوير والإنترنت وما إلى ذلك لم يفكر بجديد وإنما أتى بالقديم ودمجهما معًا ليخرج إلى العالم ببعض الأفكار الابتكارية التي لم تكن موجودة، وهو ليس أذكى منك، لذلك يمكن للمرء أن يحذو حذوه. 

14- العب ومارس الرياضة؛ في كل الأحوال فإن الإنسان يحتاج إلى الخروج عن المألوف، سواء من الناحية الجسدية أو من ناحية التفكير، لذلك عندما تبلغ من التفكير مرحلة تجد نفسك عاجزا عن الوصول إلى ما تريد، غيّر تمامًا الوضع الذي أنت فيه، فيمكنك أن تمارس رياضة المشي لمدة ساعة أو نصف ساعة، أو يمكنك أن تخرج للتنزه، أو أن تذهب إلى أي مجمع تجاري وتجلس في مقهى لشرب القهوة أو الشاي، أو حتى مارس أي لعبة من خلال هاتفك الذكي، المهم أن تخرج من الجو الذي كنت فيه، وهذا قد يستغرق بعض الوقت، ثم عد إلى موضوعك ومجالات تفكيرك، عندئذ ستفتح لك الأبواب.

15- صلّ واقرأ القرآن؛ ففي الصلاة سكينة غريبة نحتاج إليها كثيرًا عندما نريد أن نخرج عن المألوف، سواء في التفكير أو في الحياة، ففي الصلاة تسمو الروح ويتأجج العقل ويصبح جاهزًا للتفكير الإبداعي والابتكاري، وكذلك فإن قراءة القرآن تفتح لك المجال الواسع والكبير للتفكير، فالقرآن الكريم يأمرك بالتفكير في كل شيء ولا يضع للإنسان حدودا وقيودا ولا أسلاكا ذهنية على العقول. 

هذه بعض الأمور التي قد تساعد المرء على كسر القوقعة التي يعيش فيها وبالتالي التفكير بطريقة مغايرة ومختلفة، ولكن من المهم أن تكون أنت ترغب في ذلك، فلا يمكنك كسر القوقعة والخروج عن المألوف وممارسة طرق التفكير التي تحدثنا عنها وأنت غير راغب في التفكير بطريقة مختلفة. 

Zkhunji@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news