العدد : ١٤٨٥٢ - الأربعاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٥٢ - الأربعاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

قطار الإسلام السريع!

 بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ٠٨ يوليو ٢٠١٨ - 01:15

لقد دشن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الرحلة الأولى لقطار الإسلام السريع الذي انطلق في صحاري الجزيرة العربية وفيافيها محاولاً تجاوز الصعاب والعقبات وبلوغ الغاية التي يريد، وكان في غرفة القيادة ثلة مباركة من أخلص أصحابه، الذين اصطفاهم الله تعالى ليكونوا معه في غرفة القيادة ليعينوه على قيادة هذا القطار في رحلته المباركة التي لن تقتصر على الخطوط الداخلية لجزيرة العرب، بل سوف ينطلق لفتح خطوط جديدة، يتوقف فيها القطار عند كل محطة ليتيسر للمسافرين أمر الصعود إليه، وهذه الصحبة المباركة تحدث عنهم القرآن الكريم في قوله تعالى: «محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركّعا سجّداً يبتغون فضلاً من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كَزَرْع أخرج شطئه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيما» الفتح/29.

بهذه القيادة المباركة التي يتقدمها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) انطلق القطار، قطار الإسلام السريع، في رحلته العظيمة التي لن يوقفها شيء، وستبلغ ما بلغ الليل والنهار. القطار به العديد من العربات التي تجرّها وتقودها العربة الأولى التي فيها رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وصحبه الكرام (رضوان الله تعالى عليهم).. لم يتوقف القطار السريع في رحلته رغم العقبات التي تعترض طريقه، ولن يتوقف، بل إنه يذلل هذه العقبات الواحدة تلو الأخرى بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، لم يجبر أحداً على الصعود إلى إحدى عرباته، وترك لهم الخيار بعد أن بيَّن لهم ما سوف يلقونه من حفاوة بالغة، وخدمات لن يجدوا مثلها في أي وسيلة من وسائل المواصلات للوصول إلى غاياتهم.

كان أول خط مواصلات دشنه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هو الخط الداخلي في أرجاء الجزيرة العربية، ولم يكن هذا الخط سهلاً ميسوراً، فقد اكتنفه الكثير من الصعاب كالتي واجهته عندما انطلق صوب الطائف حيث أعرض عنه أهلها الذين أبوا أن يصعدوا على متن هذا القطار المبارك، ولم يكتف أهل الطائف بهذا، بل منعوا غيرهم من الصعود إليه لاستشراف الغاية العظمى التي يرجون.

في رحلته الميمونة الاولى لم يتجاوز عدد الركاب الذين شرح الله تعالى صدرهم لامتطاء صهوة هذا القطار الثلاث مائة راكب إلا قليلاً، وهؤلاء هم الذين نقلهم القطار إلى أرض المعركة الأولى التي خاضها الإسلام مع أعدائه المناوئين له، وهي المعركة التي فُرضت عليه صلى الله عليه وسلم، ولم يخترها بنفسه، وقال صلى الله عليه وهو يسأل ربه سبحانه النصر والتأييد: «اللهم إن تهلك هذه العصابة، فلن تعبد في الأرض أبدا!»، وكانت هذه العصابة بعددها القليل هم جميع الركاب الذين استطاع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ومعاونيه أن يجمعهم حوله، ويقنعهم بصعود القطار معه في رحلته الأولى.

ولكن هل اقتصر الركاب على هذا العدد القليل أم ان القيادة الحكيمة القائمة على شؤون هذا القطار قد استطاعت بعون من الله تعالى أن تفتح خطوط مواصلات كثيرة استطاعت من خلالها أن تزيد من عدد الركاب إلى ما يربو على المائة وعشرين ألف راكب هم الذين استخدموا قطار الإسلام السريع المتجه صوب مكة المكرمة لأداء مناسك الحج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وصحبه الكرام، ولقد وفر لهم حسن الضيافة ليقطعوا هذه الرحلة المباركة وهم في أحسن حال، وكان هذا في حجته الأولى والأخيرة التي أداها صلى الله عليه وسلم حيث ودع فيها المسلمين باعتبارهم سوف يواصلون الرحلة من بعده، ولأنه صلى الله عليه وسلم قد وصل إلى المحطة الأخيرة التي يجب عليه ان يغادرها إلى الرفيق الأعلى.

وقبل أن يصل عدد الركاب إلى هذا العدد الكبير في رحلة الحج هذه، هل قفز العدد من ثلاث مائة وأربعة عشر راكباً في رحلة بدر إلى مائة وعشرين ألف راكب في حجة الوداع أم ان العدد أخذ يزيد ويتضاعف ما بين عدد الركاب الأول وعدد الركاب الثاني الذي ودعهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيه؟

لقد تضاعف العدد الأول ليبلغ عشرة آلاف راكب في الرحلة المباركة إلى مكة حيث تم الفتح العظيم، وبدأت خطوط المواصلات تتوالى وخاصة عندما عاينوا بركات هذا القطار، والنخبة الصالحة التي تتولى قيادته، وتحرص على توفير سبل الراحة والكرامة لركابه، بل أخذ الركاب يتوافدون من أقطار الدنيا كلها ليحجزوا لهم مقاعد لهم فيه بعد ما علموا وخبروا خدماته المتميزة التي لم يلمسوها في غيره من وسائل المواصلات التي سبقته والتي جاءت بعده.

انطلق القطار، قطار الإسلام السريع ببركة الله تعالى وتوفيقه، ثم بجهود القيادة الحكيمة التي تولت شؤونه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وركابه كل يوم في زيادة، وتحولت المئات إلى الآلاف، والآلاف إلى الملايين، بل لقد بلغ عدد ركاب قطار الإسلام السريع إلى مليار وسبعمائة وخمسين مليون راكب، وهو رقم كانت شركات المواصلات تتمنى نصفه، أو حتى بعضه، ولن يتوقف عدد الركاب الذين يستخدمون قطار الإسلام السريع لبلوغ غاياتهم عند حد، بل هو في ازدياد مستمر، وصدق الله تعالى حين قال : «إذا جاء نصر الله والفتح (1) ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا (2) فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا (3)» النصر. وهذا إرهاص بأن الناس، والنَّاس لفظ عام يقصد به عالمية الرسالة الإسلامية، سوف يدخلون في دين الله أفواجا. 

 ومن مميزات السفر على قطار الإسلام أن تذاكره ليست محدودة العدد، ولن يأتي وقت تنفد فيه هذه التذاكر، وهذا يعني أن الفرص في الإسلام لا تنتهي أبداً، وأن أمام الذين أخطأوا الوجهة متسعا من الوقت للتوبة والإنابة، وإصلاح ما أفسدوه وخاصة مع الصحبة الصالحة التي لا يخلو منها زمن من الأزمان.

لقد جذبت سمعة القطار الطيبة كبار العلماء والمفكرين الغربيين، وبدأوا يتوافدون على المحطات التي يمر بها قطار الإسلام السريع لينضموا إلى الركب المبارك الذي يداوم على استخدامه كوسيلة انتقال، وذلك بعدما علموا أن ما يوفره هذا القطار لركابه من الخدمات الجليلة، والتي قلّ أن يحصلوا على مثلها في وسائل المواصلات الأخرى.

 وفي ظل تدفق الركاب وتزاحمهم على قطار الإسلام يثور سؤال يفرض نفسه وهو: ما حظ المسلمين في اللحاق بهذا القطار الذي بدأ أولى محطاته في بلاد العرب، وكان الأولى بهم أن يكونوا أكثر من يستخدم هذا القطار في تنقلاتهم لبلوغ الغايات التي يريدون، فهل فعلوا ذلك أم تخلفوا ولم يلحقوا بالقرون الثلاثة التي شهد لهم رسول صلى الله عليه وسلم بالخيرية وتركوا غيرهم يسبقهم إلى هذا الخير العظيم.

إن قطار الإسلام السريع يعمل بالطاقة الذاتية المخزنة فيه، وأنه لن يتوقف أو يبطئ من سرعته بسبب تواني المسلمين، وتكاسلهم، والدليل على ذلك أنه في حين أن الإسلام يتقدم، ويجد من الناس من يرغب في استعمال خطوطه التي فتحها في كل بلد يمر به، نجد المسلمين يفعلون العكس.. من هنا ندرك من دون عناء أن انطلاقة قطار الإسلام المباركة ليست لها علاقة بتقدم المسلمين أو تخلفهم، وأن الوقود الذاتي الذي يعمل به قطار الإسلام ليس في حاجة الى وقود آخر من خارجه.

وبعد، فرغم أن العقبات التي يواجهها قطار الإسلام في طريقه في البلاد التي يمر بها ليست قليلة، وكثير منها مفتعل، فإن هذا القطار سيظل ينطلق بسرعته المعهودة، وسوف يتهافت العلماء والمفكرون المبرزون في بلدانهم التي قطعت أشواطاً بعيدة في الحضارة المادية، ورغم ذلك فهم قد وجدوا في قطار الإسلام السريع ما لم يجدوه في حضارتهم المتقدمة، ويثير في نفوسهم حب الاستطلاع، وأن الإسلام سوف يحقق لهم ما يشتهون من معرفة لن يجدوها في غيره.

 

www.aalbinfalah.wordpress.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news