العدد : ١٤٧٢٥ - الثلاثاء ١٧ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٤ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٢٥ - الثلاثاء ١٧ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٤ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

الثقافي

حرب الكلب الثالثة في.. حرب الكلب الثانية

السبت ٠٧ يوليو ٢٠١٨ - 10:27

دراسة نقدية

رواية (حرب الكلب الثانية) للروائي إبراهيم نصر الله، والتي حازت على جائزة البوكر، في نسخته العربية لعام 2017، وهي من إصدارات الدار العربية للعلوم ناشرون لعام 2016، وعدد صفحاتها 345 صفحة من القطع المتوسط، وتنتمي أحداثها إلى كتابات ما بعد الحداثة، كونها لا تعتمد على أحداث واقعية حدثت في زمن ماض أو حاضر، وكذلك لا تدور أحداثها في مكان معين، ضمن الرقعة الجغرافية لعالمنا الذي نعيشه، ولا على أي بقعة من بقاع ارض هذه المعمورة، وإنما تنقلنا نقلة مستقبلية كبيرة، حيث يختار الروائي الخيال العلمي، كسياق فني لضخ الادوات السردية، بعد أن يصل العلم الحديث ذروته كحالة تنبؤية مستقبلية، وتكون تلك التقنيات، التي نستخدمها في عصرنا الراهن، اكثر تطورًا واكبر أهمية، وفق سياق هذا النص، وهي كثيرة ومتنوعة ومتشعبة، ونستطيع استشفاف ذلك بشكل جلي وواضح ضمن مسار المبنى السردي، في كل مجالات الحياة في أو تونه، المسار الثاني الذي يوازي هذا المسار، هو آثار الحروب والكوارث، وما خلفته من دمار، يصل حد اندثار وجه الارض، وخراب الدول والقارات، نتيجة تكرار الاخطاء من قبل ساكنيها من البشر، وليس من الماضي الذي يعيد نفسه، كما تعودنا أن نسمعه، أو نشاهده، أو نقرأه، كما أشار الروائي، في مقدمته والتي اسماها (مقدمة قد تحُذف!) حيث يقول فيها، وبعد ان تعم الفوضى، تجتمع بقية الدول، وتتفق على إلغاء الماضي، وكذلك تعتمد تلك الدول على الاستفادة من الاستنساخ لتعزيز مواردها الاقتصادية، وتتحول تلك الدول إلى قلاع، وهكذا ومن خلال تلك المقدمة، نكون على أتم الاستعداد للدخول إلى احدى القلاع، لنعيش مع بطل هذا النص، والذي من خلاله يدير السارد العليم دفة الاحداث، وهو شخصية غريبة الاطوار، يمتاز بصفات وسمات متعددة، استطاع الروائي أن يرسم ملامحها بشكل مبهر، وراشد هو المحور الاساسي في متن هذا النص، وكما حصل في تلك المقدمة، التي مهدت لهذا النص، فإن الروائي يلجأ مرة اخرى، للخروج عن النص ليخاطب المتلقي بشكل مباشر، أو نخبة معينة من الذين سوف يحصلون على تلك الرواية لمطالعتها، وتحليلها ومعرفة محتواها، ليقدم لهم وجهة نظر جديدة، تساهم في إنضمامهم للنص من جهة، ومن جهة اخرى تقديمه للرؤية الفنية لسياق هذا النص (لذا، لا يستطيع أي راو عليم ان يكون جازمًا في أمر بداية مفتوحة كهذه! وقد جرت العادة في ان ينشغل النقاد بالنهايات المفتوحة التي يختتم الراوي العليم بها الروايات، تاركًا لهم شيئًا يلهون به، فهو يعرف، اي الراوي العليم، أن النقاد الاذكياء كالأطفال، ما عليك الا ان توفر لهم شيئًا، يلهون به، والا فإنهم سيتعبونك حقًا. طبعًا يأمل الراوي العليم أن يأخذ النقاد الاذكياء الملاحظة باعتبارها طرفة، والا يحّولوها مأساة بعد قراءتهم لهذه الرواية) ص 27. 

وهذه ظاهرة ازدادت في سياق تدوين الروايات الحديثة، وهي حالة صحية إذا ما أخلت في البناء العام للنص، ثم ننتقل إلى العالم الافتراضي الذي أعده لنا الروائي، لنجد تلك التقنيات الحديثة، ومدى التحامها والتصاقها بواقع تلك الحياة، حيث يصف لنا أن التلفاز عبارة عن انبوب ملتصق بالجدار، وما إن يشتغل حتى تنتشر صورته المتحركة على ارضية الغرفة، بكل مؤثراتها، وتبدو وكأنها قريبة من الحقيقة، فالشخوص وكأنهم يمثلون امامك، حتى تستطيع ان تلمسهم، وتمر من امامهم، أو من خلفهم، وتستطيع ايضًا أن تلمسهم وكأنهم أحياء من لحم ودم، أما إذا كانت المادة الفلمية تدور أحداثها عن حرب وقتال وانفجارات، فتلك كارثة، كون ارضية هذه الغرفة تستقبل تلك الاحداث وكأن رحاها تدور داخلها وتكون الانفجارات والشظايا ووميض السلاح امر غريب، يصل إلى الحد الذي يترك افراد الاسرة مكانهم هربًا، ونجد تلك التقنيات في بقية نواحي الحياة، السيارة، الهاتف، المطبخ، المستشفى، وغيرها الكثير، ومن خلال رحلتنا، نكتشف أيضًا اختيار الروائي، لبنية العنونة، إذا أنه في الصفحة مائة وخمسة وعشرين، يقدم لنا عرضًا، عن الحروب الطويلة التي حدثت عبر التاريخ، وكانت أسبابها تافهة، وبعد طواف سريع عن تلك الحروب، نكون مع حرب الكلب الاولى، والتي حدثت بسبب تافه، كون احدهم اشترى كلبًا واتفق مع البائع ان يعطيه نصف المبلغ، ويبقى نصف المبلغ الاخر يسدده في وقت معلوم، الا ان المشتري، تأخر في تسديد النصف الأخير، فحضر البائع يطالب بالتسديد، الا أنه يكتشف أن الكلب ماعاد يعرفه، واخذ ينبح عليه، فغضب البائع ودار نزاع، فانحاز الكلب إلى المشتري، وهجم على البائع بشراسة وافترسه حتى مات، وكبر النزاع ليشمل العائلتين، ثم تتسع رقعة هذا النزاع لتشمل المدينة، والبلدة، وتكبر اكثر لتشمل كل من له صلة خارج البلاد، هذه هي حرب الكلب الاولى، اما حرب الكلب الثانية، فتدور رحاها في متن هذا النص، ولكنها غريبة الاطوار، كونها تعتمد الخيال العلمي سياقا لها، كوننا سوف نكتشف أن التقنيات العلمية الحديثة المتطورة، أسيء استخدامها بشكل ملفت للنظر، فلم تكن لخدمة الانسان نحو الخير، بل إنها جاءت بلاءً عليهم، واستخدمت نحو الشر والخراب، إذ ان هناك جهازا صنع في هذا العالم بإمكانه أن يحول أي شخص لأي مخلوق آخر يريده، بمجرد إجراء التغييرات على تركيبته من الوجه إلى آخر عضو فيه، فيكون نسخة مطابقة لذلك الشخص، وكانت البذرة الاولى، أو الشرارة الاولى، كما حدث في حرب الكلب الاولى، أن يختار راشد سكرتيرته كنموذج لتكون شبيهة لزوجته، من اجل أن يتصرف معها بكل حرية من دون أن ينتبه إليها أحد، إذ إن من يراها سيظن أن زوجته هي السكرتيرة، حتى أن الضابط شقيق زوجته دخل ذات مرة في المكتب ورأى تلك السكرتيرة فظنها شقيقته، ولكن راشد ومن اجل ان يتقن اللعبة اقنع الضابط، بأنه إذا رأى شقيقته أن لايخبرها بكونه رآها، لأن ذلك سصيبها بالاحراج، وتلك الشرارة التي اطلقها راشد، كانت السبب في انتشار الاشباه، إذ إن هذا الجهاز أطلق أشباها كثيرة عاثوا في تلك القلعة فسادًا، واختلط الحابل بالنابل، وصار أمر معرفة الشبيه من الاصل أمرًا عسيرًا، ولم تكن باستطاعة إدارة تلك القلعة المتمثلة بمديرها العام، الذي هو بمثابة رئيس لهذه البلاد، أن يحد من هذا الانتشار، وحدثت مشاكل كبيرة، اربكت أبناء هذه القلعة، وصارت الزوجات في ريب كبير عندما يدخل اليها زوجها، بين الاصل والشبيه، وكذلك الازواج، وهناك أحداث كبيرة ومتشعبة تدور في رحى هذا النص، أتركها للمتلقي يعيشها، كوني لست بصدد نقلها، وانما استقدمتها من اجل استخدامي لادواتي النقدية، وتحليل النص لاكتشاف كنهه، والوصول إلى معالم الجمال فيه، وسر التجريب والتجديد والحداثة أو ما بعد الحداثة الكامنة فيه، كون حالة الانتقال إلى الخيال العلمي، والتنبؤ المستقبلي، تتطلب أدوات سردية مغايرة لتلك الادوات التي تستخدم في الحالات التي تطرح واقع الحياة بأي من الانماط والمذاهب الادبية المتبعة، وهنا تكمن الصعوبة في هذا النص، إذ يشير الروائي في مستهل هذا النص، أنه في الماضي والمستقبل، اكثر مما انت عليه في الحاضر، كونه استطاع أن يستفاد من الماضي، وما دار وحدث فيها، ليبني صرحه المستقبلي، كتحصيل حاصل عبر خياله الخصب، لما سوف تؤول اليه الحياة في المستقبل، بعد تواتر الحروب والكوارث، وفقدان الوعي، وعدم الاستعاضة من الهفوات والاخطاء وعدم تكرارها، وبما أن أحداث هذه الرواية تدور رحاها في المستقبل، ونسيان الماضي، وحرب الكلب هذه هي الحرب الثانية، فإن الروائي يتنبأ بظهور حرب كلب ثالثة، بعد انتهاء تلك الحرب. 

يكمن سر نجاح هذه الرواية (رواية حرب الكلب الثانية) للروائي إبراهيم نصر الله، بكونها قدمت لنا أحداثاُ تنتمي إلى ما بعد الحداثة، وعبر الخيال العلمي المستقبلي، بمنطق واضح ومعقول، وبحركة تتطور قد تكون متوقعة، كما أن الاحداث كانت مزدحمة وزاخرة ومكثفة، وجديدة في تناولها فغلب عليها طابع الابهار والدهشة والغرابة، وهي رسالة تحذيرية بضرورة تسخير العلم من أجل خير الإنسانية.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news