العدد : ١٤٨٥٢ - الأربعاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٥٢ - الأربعاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

الثقافي

يوتويبات كونيّة.. سرديات «المدينة الفاضلة» عبر التاريخ !

بقلم: د. ضياء عبدالله خميس الكعبيّ *

السبت ٠٧ يوليو ٢٠١٨ - 10:19

منذُ يوتويبات الفلسفة الإغريقيّة من جمهورية أفلاطون و«حياة ليكورجوس» لبلوتارك ومسرحيات أرسطوفانيس مرورًا بيوتيوبات القرون الوسيطة ويوتيوبات عصر النهضة مع توماس مور انتهاء إلى اليوتيوبات الاشتراكية الكبرى في العصر الحديث لسنا نتحدث عن «مدن ومجتمعات مثالية فاضلة»، نحن نتحدث في حقيقة الأمر عن تمثيلات وتنظيرات لمجتمعات شمولية «سكونيّة» صارمة لا تقبل حراكًا، ولاترتضي سوى بالقوالب المنمطة. وبعيدًا عن التصورات المثالية التبجيلية والتقديسية للمدن الفاضلة لا بد لنا من وقفة نقدية يعرفها جيدًا من قرأ هذه اليوتيوبات: «الجمهورية الفاضلة» لأفلاطون كانت فاضلة وفقًا لمقاييسه الفلسفية والفكرية والثقافية الخاصة به وحده. والمفارقة أنَّ فلسفة أفلاطون الخاصة بالمدينة الفاضلة كانت فلسفة «استحواذية تسلطية استبدادية» يغيب فيها الفرد وتُغيب تمامًا حريات الإبداعية، وتغيب فيها إنسانيته ليتحوَّل إلى أنموذج فكري صارم يحقق فلسفة المدينة الفاضلة! وتوماس مور الذي كان أول من اجترح مصطلح «يوتوبيا» مارس مفارقة غريبة هو الآخر عندما أبدى رغبته في أن يكون هو وحده الحاكم المطلق لجزيرة «يوتوبيا» المتخيلة! واليوتيوبات الأخرى وصولاً إلى العصر الحديث كانت تهدف إلى بناء مجتمعات شمولية على شاكلة الدول الشيوعية تغيب فيها ملكيات الفرد الخاصة، وتُختزل فيها وزارات الدولة على شاكلة رواية (عام 1984) للكاتب البريطاني جورج أرول التي تنبَّأ فيها بمستقبل متشائم لبريطانيا في عام 1984 هذا هو مجمل أطروحة المفكرة الإيطاليّة ماريا لويزا برنيري Marie Louise Berneri في كتابها المهم «المدينة الفاضلة عبر التاريخ» Journey through Utopia. والكتاب في نسخته العربية من ترجمة سلسلة عالم المعرفة الكويتية،1997. ومن ترجمة الدكتورة عطيات أبو السعود كان توماس مورThomas More (1478_1535)، كما تذكر مترجمة الكتاب د.عطيات أبوالسعود، أول من صاغ كلمة يوتوبيا أو (أوتوبيا) في نطقها اليونانيّ. وقد اشتقها من الكلمتين اليونانيتين Ou بمعنى «لا» وTopas بمعنى «مكان»، وتعني الكلمة في مجموعها «ليس في مكان»، ولكنه أسقط حرفo وكتب الكلمة باللاتينية لتصبح utopia، ووضعها عنوانًا لكتاب له هو أشهر يوتوبيا في العصر الحديث. إنَّ اليوتوبيا تعني المجتمع الخيالي المثالي الذي يتحقق فيه الكمال الإنسانيّ في أقصى درجاته، ويتحرّر من الشرور التي تعاني منها البشرية.

طلبت إحدى دور النشر البريطانيّة من المفكرة الإيطالية ماريا لويزا برنيري أن تؤلف كتابًا تضع فيه مقتطفات عن اليوتوبيا في التاريخ الإنساني، وقد وافقت المؤلفة شريطة ألا تركز فقط على اليوتيوبات الإنسانيّة الكبرى، وإنَّما تسلط الضوء كذلك على اليوتيوبات المنسية التي لم تحظَ بعناية الباحثين بها بسبب انشغالهم وتركيزهم على اليوتيوبات الكبرى الشهيرة. إذن المشروع الأصلي لهذا الكتاب كان تقديم أهم النصوص اليوتيوبية التي تُعد علامات أساسية في مسارات الفكر اليوتيوبي، بيد أنَّ المؤلفة آثرت الجمع بين أكبر قدر ممكن من النصوص ولذلك غابت العقلية الناقدة وانتصرت العقلية “التجميعية فقط. ولكن الذي يميز كتابها تجاور النخبويّ وكذلك المهجور المنسي من «اليوتيوبات» في تاريخ الأفكار الفلسفية.

 تقول ماريا لويزا برنيري في مقدمة كتابها: «إنَّ عصرنا هو عصر التسويات، والحلول الوسطى لجعل العالم أقل شرورًا. والحالمون من أصحاب الرؤى أصبحوا موضع السخرية أو الاحتقار، و«الناس العمليون» هم الذين يحكمون حياتنا. لم نعد نسعى لإلغاء الحروب، بل لتجنبها فترة تمتد سنوات قليلة، إننا لا نحاول إلغاء الجريمة وإنَّما نكتفي بإصلاح القوانين الجنائية، ولا نحاول إلغاء المجاعة، بل نسعى لإنشاء مؤسسات خيرية عالمية على نطاق واسع. وعندما يعيش المرء في عصر ينشغل بكل ما هو عمليا قابل للتحقق السريع، فرَّبما يكون من المفيد أن يلجأ إلى الأشخاص الذين حلموا باليوتيوبات، ورفضوا أيّ شيء لايتلاءم مع مثلهم الأعلى من الكمال».

كي نستوعب الأفكار والأطاريح الكبرى التي تصدر عنها الفكر اليوتيوبي لا بد لنا من قراءته في سياقاته الثقافية والفكرية التي صدر عنها؛ فكتاب «الجمهورية» لأفلاطون كتبه في حقبة تدهور كبرى مرّت بها الدولة اليونانية بعد هزيمة أثينا الساحقة في أعقاب الحرب البلوبونيزية. لقد صاغ أفلاطون جمهوريته المثالية التي غيّب فيها الحريات العقلية ورسّخ فيها تنظيمًا سياسيًا وثقافيًا شمولًيا مطلقًا لا وجود فيه للحريات الفكرية، وهذه مفارقة كبرى تصدر عن فيلسوف نشأ في بيئة جدلية فكرية! لقد جعل أفلاطون المجتمع المثالي الفاضل «مجتمعًا انتقائيًا نخبويًا» قائمًا على وجود عدد محدود من «المفكرين» الذين يحكمون هذا المجتمع، ولذلك أعلى أفلاطون من شأن القدرات الفلسفية لهؤلاء الأفراد، في حين تتحول الغالبية العظمى إلى فئات تابعة فقط.

كانت «يوتوبيا» توماس مور صادرة عن الأنساق الثقافية والفكرية الخاصة بعصر النهضة الأوروبيّة، أي أنّها مزيجًا من التفكير اللاهوتي بالفلسفة اليونانية ومتأثرة كذلك باضمحلال المدن الأوروبية وتدهورها في العصر الوسيط الأوروبي. ولكن يوتوبيا توماس مور كانت «ثورية» فألغت الملكية وأبقت على التنظيمات الأسرية وعلى العبودية. لقد كانت مرجعيات توماس مور في كتابه الشهير اليوتوبيا» مرجعيات فكرية فلسفية إغريقية في أعمال أفلاطون وبلوتارك، بجانب «مدينة الله» للقديس أوغسطين. والطريف أنَّ الإطار العام لـ«يوتوبيا» توماس مور كانت مستوحاة من تقرير «أميريجو فيسبوتشي» عن رحلاته التي نُشِرت عام 1507. وقد ساعد مور نفسه على تصديق هذا الغرض، لأن بطل يوتوبياه هيثلوداي البرتغالي، الذي أخذ على عاتقه مهمة وصف دولة يوتوبيا، يزعم أنه واحد من أربعة وعشرين رجلاً تركهم فيسبوتشي وراءه في كاب فرو أثناء رحلته الرابعة. ويفترض أيضًا أنَّ جزيرة يوتوبيا اكتشفت في مكان ما بين البرازيل والهند. كذلك يقترح ج.س. ريتشاردز في مقدمة ترجمته لـ«يوتوبيا» إلى الإنجليزية الحديثة، أن مور قابل في أنتورب بحّارا أعطاه وصفا لليابان، كما يبرز أوجه الشبه القائمة بين موقع وشكل جزيرة مور الخيالية وبين موقع اليابان وشكلها، وكذلك الشبه الكائن بين المظهر الجسماني لليابانيين ونظيره عند سكان يوتوبيا. وقد طُرِحَت في السنوات الأخيرة نظرية جديدة ترجح أن يكون مور قد عرف حضارة الإنكا واتخذها أنموذجًا لدولته المثالية. وليست يوتوبيا نسخة من دولة أفلاطون أو دولة بلوتارك المثالية. ولا هي وصف من الدرجة الثانية لحضارة الإنكا في بيرو قبل الغزو الإسباني.إنَّها عمل أصيل، استطاع فيه مور أن يؤلف بين ما تعلّمه من الكتاب الكلاسيكيين، وما أدى إليه اكتشاف العالم الجديد وعصر النهضة من اتساع في الآفاق. وسواء جاء التأثير الأقوى على مور من قِبَل الفلاسفة الإغريق، أو من المعرفة غير الواضحة بنظم الحكم في حضارة الإنكا، فقد أجابت «يوتوبيا» عن كل الأسئلة والهموم التي كانت تشغل عصره وبلده آنذاك.

 شكّلت اليوتيوبات الحديثة اختلافًا فارقًا عن يوتويوبات العصور القديمة والعصور الوسطى وعصر النهضة في ارتكازها على أنظمة معقدة في الدولة المدنية الحديثة تتخذ أبعادًا مختلفة منها اليوتيوبات القومية ومنها كذلك اليوتويبات الاشتراكية الماركسية. وفي مسرحية «ماركس في سوهو» للكاتب الأمريكي الماركسي هوارد زن (1999)، حاكم هذا الكاتب الماركسية عندما تحوّلت إلى نظام شيوعي، فالاتحاد السوفياتي، على سبيل المثال، ينهض في تكوينه الأساسي على تحويل الماركسية إلى نظام سياسي. في هذه المسرحية يعود كارل ماركس مرة أخرى إلى الحياة ليدافع عن أفكاره التي شوّهها التأويل المغلوط لفلسفته بعد أن حوّلها آخرون إلى أيقونات صنمية منمطة وجامدة.!

الجميل في كتاب «المدينة الفاضلة عبر التاريخ» أنه يثير في عقلك أسئلة كثيرة عن طبيعة هذه الفكرة «اليوتوبيا» التي شكّلت همًا أساسيًا لدى كثير من المفكرين والفلاسفة، ومن الطبقة الأخيرة منهم كان المفكر الفرنسي بول ريكور في كتابه جدل الآيديولوجيا واليوتوبيا الذي خصّصه لنقد التأويلات المختلفة الخاصة بهؤلاء الفلاسفة وصولاً إلى كارل ماركس. والجميل في الكتاب أيضًا أنه يضعنا أمام سؤال كبير: هل نحن بحاجة في عالمنا اليوم إلى الفكر اليوتوبي أم أننا بحاجة أكثر إلى الدراسات المستقبلية Future Studies التي تُدرس الآن في كبريات الجامعات العالمية، بوصفها جزءا لا يتجزأ من التأسيس المستقبلي في حياة الدول! 

* أستاذة السرديات 

والنقد الأدبيّ الحديث المساعد، كلية الآداب، جامعة البحرين.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news