العدد : ١٤٧٣١ - الاثنين ٢٣ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٣١ - الاثنين ٢٣ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

الاستثمار في الصناعات والخدمات البحرية.. شركة «أسري» أنموذجا

بقلم: د. أسعد حمود السعدون {

السبت ٠٧ يوليو ٢٠١٨ - 01:15

تعد مملكة البحرين من أقدم دول الجزيرة العربية والخليج العربي في مجال استثمار البيئة البحرية، وذلك ناجم من طبيعة موقعها الجغرافي، فهي جزيرة وسط الخليج العربي؛ لذا ارتبطت حضارتها ونهضتها في الماضي والحاضر بمعطيات البيئة البحرية ووفرة وتنوع مواردها، فقد طوع شعبها البحر منذ فجر التاريخ، فكانت المراكب البحرينية تجوب مياه الخليج العربي وبحر العرب والمحيط الهندي شرقًا وغربًا بغرض التجارة وتبادل السلع أو لصيد الاسماك واللؤلؤ. وهم لهذه الأغراض قد برعوا في صناعة السفن التي مرت بمراحل تطورية عديدة، كما تشير إلى ذلك الدراسات التاريخية التي تتبعت تطور صناعة السفن في الخليج العربي عامة والبحرين خاصة، فكانت الزوارق البدائية عبارة عن طافيات (قرب) مصنوعة من جلد الحيوانات، تلا ذلك ظهور الأطواف أو الرماثين ثم الزوارق الشجرية ثم الزوارق المصنوعة من القصب أو جريد النخيل وصولا إلى القوارب والسفن الخشبية ثم الزوارق المعدنية وزوارق الفايبرجلاس وزوارق الحديد والصلب وغيرها من المواد التي تدخل في صناعة بدن السفينة. ومما ينبغي ذكره ان جلجامش قد ضمن في ملحمته التاريخية فصلا عن صناعة السفن آنذاك. وفي العصر الحديث تمتلك البحرين الريادة الإقليمية في صناعة السفن، حيث أنشئت فيها عدة ورش ومعامل لتصنيع وصيانة سفن الصيد منذ عقد الخمسينيات من القرن الماضي. وبمرور الزمن توافرت فيها اغلب متطلبات البنية التحتية للصناعة البحرية كالمراسي والموانئ الحديثة المزودة بخدمات متكاملة. وقد تمكنت منذ زمن مبكر من إنشاء أحد أكبر الأحواض الجافة لإصلاح السفن في العالم الذي تملكه الشركة العربية لبناء وإصلاح السفن (أسري)، والتي تمتلك البحرين النسبة الكبرى من رأسمالها، والذي شهد تحديثات وتطورات متلاحقة جعلت منه واحدا من أرقى الخيارات تنافسية لدى شركات النقل البحري إقليميا وعالميا. وخلال مسيرتها التي امتدت لنحو اربعة عقود من الزمن، تميزت شركة أسري بثلاث خدمات رئيسية هي: 

أولاً: إصلاح وتحويل السفن، ثانيًا: إصلاح وتحويل السفن الحربية، ثالثًا: إصلاح وتحويل المنصات البحرية والذي تم إطلاقه عام 2008. ولم تكتف الشركة بذلك بل تمكنت من إضافة خدمة رابعة إلى الخدمات الأساسية التي اطلق عليها اسم خدمات التصنيع والهندسة، حيث يركز هذا القطاع الجديد على أعمال الهندسة والتصنيع لمجموعة من الوحدات الصناعية بما في ذلك الهياكل الحديدية، حلول خطوط وشبكات الأنابيب، هياكل المنصات البحرية إضافة إلى بناء السفن، كما صرح بذلك الرئيس التنفيذي لشركة أسري المهندس اندرو شو في المؤتمر الصحفي الذي عقدته الشركة بتاريخ الرابع من يوليو الجاري معلنا خطة الشركة لتنويع وتطوير خدماتها لمواجهة حالة الركود النسبي والتقلبات التي شهدها السوق البحري إقليميا وعالميا، ما يجعل منها شركة رائدة متعددة الخدمات البحرية والصناعية، وقادرة على مواكبة متطلبات السوق.

ولم يقتصر التطور والتنويع في الصناعات البحرية على شركة اسري، بل لعب القطاع الخاص دورا رئيسيا في نهضة الصناعات البحرية بالمملكة، حيث أنشئت العديد من الشركات الصناعية التي احتلت موقعها الإقليمي والعالمي بجدارة وتمكنت من ان تحقق للبحرين موقعا طليعيا على خريطة الصناعات البحرية، فمثلا تمكنت شركة ناس للمقاولات الميكانيكية من تجاوز تصنيع الزوارق والقوارب الاعتيادية إلى تشييد الحفارات البحرية العملاقة. ويتبع للشركة أربعون شركة أخرى منها شركة ناس البحرية التي تنتج الأرصفة العائمة والبارجات البحرية التي يتم استخدامها في نقل المعدات والبضائع السائبة ويتم تصدير نحو 70% من منتجاتها إلى السوق الخليجية فيما تصدر النسبة الباقية إلى السوق العالمية، كما تأسست في البحرين مجموعة شركات الظاعن مطلع عقد السبعينيات من القرن الماضي، والتي بدأت نشاطها كورشة ميكانيكية ثم انتقلت إلى التجارة في المحركات، ثم بيع المعدات البحرية والصيد، وفي عام 1988 تحولت المجموعة إلى صناعة القوارب، حيث بدأت بتصنيع قوارب الصيد ثم قوارب الصيد الرياضية وتوسعت المجموعة أكثر لتشمل صناعة قوارب النزهة، وأخيرًا القوارب العسكرية واليخوت. وتمكنت من اختراق الأسواق الأمريكية والأوروبية بكل جدارة فضلا عن الأسواق الآسيوية. وفي مجال القوارب العسكرية نفذت العديد من المشاريع للقوات البحرية البحرينية والسعودية، والكويتية، والعراقية، لا بل زودت حتى الجمارك الهندية بمنتجاتها من القوارب الكبيرة، كما يوجد في المملكة العديد من الشركات المتخصصة بتقديم الخدمات البحرية وتجارة المستلزمات البحرية، كما توطنت فيها عدة شركات اجنبية وعربية للصناعات والخدمات البحرية فمثلا شركة دينا البلاد للخدمات البحرية (السعودية) قامت بتشييد مرفأ لإصلاح السفن الصغيرة والمتوسطة في مملكة البحرين بعد أن حصلت الشركة على الأرض اللازمة للمشروع.

وعليه فإن القاعدة الأساسية لتنمية الصناعات البحرية في بعدها الصناعي الفني والفلسفي والمالي والبشري متاحة وميسرة في مملكتنا الحبيبة. وما كان ذلك ليتم لولا الدور الايجابي المميز الذي لعبته الحكومة في دعم الصناعات البحرية، فقد قامت بالاستثمار في تطوير وتحديث بنيتها البحرية الأساسية وتوسعة مرافق موانئها وزيادة قدرتها الاستيعابية بما يواكب تزايد حجم التجارة البحرية وطنيا وإقليميا. ومع ذلك لا يزال هناك متسع كبير لتقديم حزمة من الحوافز والتسهيلات والخدمات اللوجستية والتمويلية والتسويقية كتوفير المواقع البحرية الملائمة للصناعة وتوفير الخدمات الأساسية لها كالطاقة الكهربائية والمياه وإعفاء الصناعات من الرسوم الجمركية والرسوم الاخرى، وتوفير التسهيلات المالية والقروض لها، على ان تكون تلك التسهيلات حصرا للاستثمارات الوطنية والخليجية.

‭{‬ اكاديمي وخبير اقتصادي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news