العدد : ١٤٨٥٢ - الأربعاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٥٢ - الأربعاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

الاسلامي

الإمام محمد الخضر حسين.. التونسي الذي رفعه علمه وخلقه وجهاده إلى مشيخة الأزهر (32)

بقلم: د. غريب جمعة

الجمعة ٠٦ يوليو ٢٠١٨ - 11:26

المرحلة المصرية (12):

من وحي التنوير الزائف (أ)

حدثني بعض الإخوة القراء بشأن ما قلته في بداية موضوع: «نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم» وهو:

«هذا الكتاب الذي كنا نظن أنه مات وشبع موتًا ولكنا رأينا من يلبس أكفان الموتى ويخرج في زينتها ليمتدح الكتاب وليعد صاحبه من قادة التنوير في مصر!!» ولسنا ندري أي تنوير يقصدون ومحور حديثهم أنني ذكرت كلمة مجملة ولم أحدد جهة معينة أو فردا بعينه مما يترك القارئ في حيرة، تجعله يضرب أخماسًا في أسداس محاولاً أن يعرف من هم الذي يدَّعون أن هذا من التنوير ويحاولون إحياء الكتاب بعد موته لسنوات طويلة؟

وقد يظن البعض لعدم معرفتهم بأدعياء التنوير أن ما قلته من قبيل الحبكة القصصية التي يتخيل القّاصُّ فيها ما يشاء ليملأ الفراغ تارة وليجذب الأنظار بغرائب المفارقات تارة أخرى وما هكذا يكتب التاريخ.

وإني أشكر لهؤلاء الإخوة تذكيرهم لي بذلك ويعلم الله أني أسعد      –حقيقة- بمثل هذا التذكير وهذه الملحوظة، فإن الكاتب لا يكتب لنفسه وإنما يكتب للقراء. والقراء هم المرايا التي يرى فيها نفسه وما يكتب، فجزاهم الله خيرًا وإليهم وإلى بقية القراء –الكرام– البيان (بعد البحث والتقصي):

يقول الدكتور محمد رجب البيومي: (بتصرف يسير): «كان الأستاذ أحمد بهاء الدين قد كتب في مؤلفه (أيام لها تاريخ) حديثا عن كتاب الإسلام وأصول الحكم لا يمت إلى الحقيقة التاريخية بأدنى سبب وما هو إلا تخيلات موهومة يكذبها الواقع الفعلي لتاريخ هذه الحقبة، وقد نشط أنصار الحقيقة إلى تزييف كل ما ذكره الأستاذ أحمد بهاء الدين بالبرهان المقنع والدليل السافر بحيث غدا قارئ هذه الردود الملجمة يتساءل: لماذا تحدث الأستاذ أحمد بهاء الدين في أمر يجهل كل شيء فيه ولماذا سمح لنفسه أن يتوهم علاقات لا ترتبط وشائجها على نحو من الأنحاء».

وقد أصدر الدكتور محمد ضياء الريس كتابه الرائع (الإسلام والخلافة في العصر الحديث – نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم).

وكان نقده صارمًا من ناحية المعلومات التاريخية المصرية المتعلقة بالفترة التي ظهر فيها هذا الكتاب.

وقد شارك الدكتور الريس نقاد آخرون لا يقلون عنه صرامة.

أما الحقائق الفقهية الأصولية فقد أشبعت نقدًا وتزييفًا بقلم أئمة أعلام يحلقون في سماء الفقه بما لا يدع مجالاً للشك في علمهم وفهمهم لأصول الدين، كما مر بنا في نقض الإمام محمد الخضر حسين لهذا الكتاب وقد حذا حذوه أساتذة كبار أمثال: محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية الأسبق، الإمام محمد الطاهر بن عاشور التونسي – عبدالوهاب خلاف، ومحمد أبو زهرة ومحمد الغزالي ومحمد فريد وجدي والدكتور أحمد محمد الغمراوي وغيرهم كثيرون من أساتذة الفكر الإسلامي المعاصر حتى أصبح كتاب الإسلام وأصول الحكم بعد هذه التصحيحات الصائبة خبرًا من الأخبار!!

وعلى الرغم من ذلك قام المشرفون على سلسلة تحمل عنوان «المواجهة والتنوير» بإعادة نشر الكتاب بما فيه من أخطاء فادحة يخزى بعضها بعضًا وكان من العجب العاجب أن يتبنى الدكتور جابر عصفور كل ما قاله الأستاذ بهاء الدين من أباطيل ثبت زيفها الصارخ ثم يكتب مقدمة للكتاب بعد إعادة نشره.

وقد سارع الأستاذ أحمد عبدالمعطي حجازي فنقل إلى قراء (الأهرام) ما ذكره الدكتور جابر عصفور مؤيدًا ومزكيًا حيث قرأ مقدمته ولخصها في مقال نشره بالأهرام. مكتفيًا من قراءة الكتاب كله بالمقدمة فقط!!.

وكان يجب على كل من جابر عصفور وأحمد حجازي أن لا يتجاهلا الردود الساحقة الماحقة التي اقتلعت آراء أحمد بهاء الدين من جذورها حيث إن أمانة القلم تحتم على من يطلب الحق لوجه الحق أن يشير إلى الاعتراضات التي وجهت إلى الكتاب حتى أتت على كيانه المنهار.

وهي اعتراضات من أعلام الفقه في العالم العربي الذين يستحيل على كل من جابر عصفور وأحمد حجازي أن يقفا معهم على مستوى واحد ولنقرأ ما كتبه الدكتور جابر عصفور في مقدمته للكتاب حيث يقول: بعد أن قام كمال أتاتورك (معنى أتاتورك: أبو الأتراك) بحركته الإصلاحية في تركيا وما ترتب عليها من إلغاء الخلافة العثمانية وإعلان الجمهورية بدأت محاولات متعددة لإقامة الخلافة في أكثر من قطر، بعض هذه المحاولات حدثت في القاهرة وكانت مرتبطة بدافع تنصيب الملك فؤاد خليفة للمسلمين، وبينما كانت محاولات أنصار الملك فؤاد قائمة متصلة، وفي الوقت الذي كان فيه الحوار دائرًا حول معنى الخلافة في عصرنا أصدر علي عبدالرازق القاضي الأزهري الذي كان يعمل رئيسًا للمحكمة الشرعية بالمنصورة كتابه (الإسلام وأصول الحكم) الذي فرغ منه مطلع أبريل سنة 1925م وطبع في العام نفسه أكثر من مرة وكان الكتاب قنبلة بمعنى الكلمة على مستويات متعددة!!.

ونسف الكتاب فكرة الخلافة الإسلامية التي كان يحلم بها الملك فؤاد وأعوانه ونسف الكتاب كثيرًا من الرواسب العالقة في أذهان القراء عن الدولة الدينية ونسف الكتاب السطوة التي يزعمها بعض رجال الدين عندما يتحدثون عن الحكم.

كان الكتاب بمثابة تأكيد من أزهري مستنير لدعائم الدولة المدنية وفي الوقت نفسه كان ثورة هائلة على المفاهيم السائدة عند أقرانه من المشايخ.

وكان من الطبيعي أن يُحارب الكتاب وأن يعاقب صاحبه واتفق القصر مع لجنة كبار العلماء على العقاب، صدر قرار بسحب شهادة العالمية من الرجل وتبع هذا القرار فصله من القضاء وقامت الدنيا ولم تقعد وتولت الدفاع عن الكتاب كل قوى الاستنارة في مصر!! وكل الفصائل السياسية المؤمنة بالديمقراطية وكل دعاة الدولة المدنية والمجتمع المدني.

إلى أن قال: «كانت دعوة الفقيه الأزهري العظيم رئيس المحكمة الشرعية الذي فصله القصر لأنه ناهض مصالح القصر السياسية وتحالفت مع القصر لجنة كبار العلماء من رجال الأزهر الذين غضبوا من استنارة الشيخ علي عبدالرازق كما غضبوا من استنارة أستاذه محمد عبده فهاجموا الأخير كما هاجموا الأول، ولكن ذهب خصوم الرجل وذهب الملك فؤاد وبقي الكتاب نفسه وثيقة رائعة من وثائق التنوير» (هكذا !!)

والآن أخي القارئ:

هل عرفت من الذين اعتبروا كتاب الشيخ علي عبدالرازق (الإسلام وأصول الحكم) وثيقة رائعة من وثائق التنوير؟

ثم يعقب الدكتور البيومي على هذه المقدمة بقوله:

فإذا أردنا أن نوجز هذه العناصر المتداخلة التي أُرسلت إرسالاً لا يتقيد بمنطق تاريخي أو واقع لا يزال بعض شهوده ينعمون بالحياة لنرد عليها بما يشهد به التاريخ الصريح واضحًا ملموسًا دون لبس فإننا نحصرها فيما يلي:

أن كتاب (الإسلام وأصول الحكم) ألف بعد سقوط الخلافة العثمانية ليثبت أن إلغاءها صواب سديد حيث بدأ الدكتور حديثه بقوله: «بعد أن قام كمال أتاتورك بحركته الإصلاحية وما ترتب على ذلك من إلغاء الخلافة العثمانية بدأت محاولات متعددة لإقامة الخلافة في أكثر من قطر».

أن الملك فؤاد شجع أنصاره على المناداة به خليفة للمسلمين وهو ما يفهم من قول الدكتور: «وبعض هذه المحاولات حدثت في القاهرة وكانت مرتبطة بدافع تنصيب الملك فؤاد خليفة للمسلمين» ثم قوله بعدئذ «وكان من الطبيعي أن يحارب الكتاب وأن يعاقب صاحبه واتفق القصر مع لجنة كبار العلماء على العقاب، بعد قوله: «نسف الكتاب فكرة الخلافة التي كان يحلم بها الملك فؤاد وأعوانه».

أن الكاتب نسف الكثير من الرواسب العالقة في أذهان القراء عن الدولة الدينية كما نسف السطوة التي يزعهما بعض رجال الدين عندما يتحدثون عن الحكم. 

أن القوى المستنيرة تولت الدفاع عن الكتاب وكل الفصائل السياسية المؤمنة بالديمقراطية.

هذه أربعة عناصر نقلها جابر عصفور مما سبق أحمد بهاء الدين إلى تدوينه وقد نسي أن يذكر عنصرا خامسًا نذكره نحن لنرد على كل هذه الأوهام بما يكشف الزيف أما العنصر المنسي فهو قول أحمد بهاء الدين: «والتقط الانجليز فكرة الخلافة الواقعة على الأرض، نعم! لماذا لا ينشئون هم خلافة إسلامية جديدة تنمو تحت رعايتهم وأن الخلافة لحجةٌ قديمة للتغرير بالمسلمين وخلف عباءتها خرجت من مكة (كذا) وتنقلت بين دمشق وبغداد والقاهرة واستامبول، يمتطيها الحاكم الذي يستبد بالمسلمين».

(وإلى اللقاء في حلقة قادمة لمناقشة هذه العناصر إن شاء الله).

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news