العدد : ١٤٨٥١ - الثلاثاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٢ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٥١ - الثلاثاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٢ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

تداعيات انسحاب الولايات المتحدة من مجلس حقوق الإنسان

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

الجمعة ٠٦ يوليو ٢٠١٨ - 01:15

في خطاب هجومي، أعلنت سفيرة أمريكا لدى الأمم المتحدة، «نيكي هالي»، يوم 19 يونيو، قرار انسحاب واشنطن من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، معللة تلك الخطوة بأنها جاءت «بعدما لم تتحل أي دول أخرى بالشجاعة للانضمام إلى معركة إصلاح المجلس»، مُتهمِة الهيئة الدولية بأنها «مستنقع للتحيزات السياسية»، وقد جاء القرار على خلفية اتهام إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، للمجلس بأنه ينتهج الانحياز المعادي لإسرائيل، وأنه فشل في ملاحقة مُنتهكي حقوق الإنسان، كإيران، وكوبا، وكوريا الشمالية، ويا حبذا لو أن سبب الانسحاب هو فشل المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في إدارة شؤون المجلس أو أية أسباب أخرى، بدلا من الدفاع عن إسرائيل التي تنتهك حقوق الإنسان الفلسطيني صباح مساء، من دون رادع من أحد باعتراف وإدانة كل دول وشعوب العالم.

على العموم تأسس مجلس حقوق الإنسان عام 2006. ويعمل على توفير الرقابة -غير المُلزمة- والمساءلة على انتهاكات حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم، ويتكون من 47 دولة، يتم اختيارها من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتكون عضويتهم لمدة ثلاث سنوات وفقًا لنظام الحصة المقررة التي تسعى إلى تكريس التوازن الجغرافي في عضوية المجلس.

وفي الآونة الأخيرة، قام المجلس بالتحقيق في حالات تتعلق بانتهاكات حقوقية في كل من ميانمار وسوريا، وبوروندي من خلال بعثات لتقصي الحقائق، ومن خلال الشهادات الشفوية، واستنادًا على المواثيق. وفي مايو الماضي، صوت على إرسال استجواب إلى غزة للتحقيق في استشهاد المتظاهرين الفلسطينيين على يد قوات الاحتلال الإسرائيلية، وهو ما رفضته إسرائيل ولم توافق عليه.

ومن ثمّ، لم يكن غريبا أن تقدم دولة واحدة دعمها غير المشروط لإسرائيل، ووفقا لصحيفة «يسرائيل هايوم»؛ صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي، «بنيامين نتنياهو»، قائلاً: إن إسرائيل تشكر الرئيس الأمريكي ووزير خارجيته، والسفيرة هالي، لهذا القرار الذي يتسم بالشجاعة ضد أكاذيب مجلس حقوق الإنسان.

غير أن القرار، قوبل بإدانة دولية على نطاق واسع، حيث مثل تراجعًا جديدًا لدور الإدارة الأمريكية على الساحة العالمية، فبعد أن كان يُنظر إليها على أنها رائدة عالمية في قضايا مثل حقوق الإنسان، بات الآن دورها «هامشيًا»، في تراجُع سريع لمكانتها القيادية منذ الحرب العالمية الثانية. ومن جهتها، اعتبرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» أن القرار يضع واشنطن على هامش المبادرات الدولية المصيرية للدفاع عن حقوق الإنسان، مؤكدة أنه «انعكاس لسياستها الأحادية البعد، حيث الدفاع عن الانتهاكات الإسرائيلية في وجه أي انتقادات، يشكل أولوية فوق كل شيء آخر». فيما صرح مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان: «إن القرار مُخيب للآمال، إن لم يكن مفاجئًا حقًا»، مُضيفًا «يجب النظر على حالة حقوق الإنسان في العالم اليوم، وعلى الولايات المتحدة أن تعزز من نفسها بدلاً من موقفها المتراجع». 

وفي واقع الأمر، يعد الانسحاب هو تأكيد على السياسة التي اتبعها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب منذ تنصيبه، حيث أكد أن سياسة إدارته تقوم على مبدأ «أمريكا وإسرائيل أولا»، وبالتالي، فقد انسحب من عدد من الاتفاقات التي أبرمت في عهد سلفه باراك أوباما؛ باعتبارها أضرت بمصالح البلاد، والتي لا تضع أمريكا أولا، ومنها؛ اتفاقية «الشراكة عبر المحيط الهادئ»، و«اتفاق نيويورك حول الهجرة»؛ بحجة تناقضه مع مبادئ الهجرة في إدارته، كما ألغى جزءا من الاتفاق مع كوبا، فضلاً عن انسحابه في يونيو 2017 من «اتفاقية باريس لمكافحة التغير المناخي»، وإعلانه في أكتوبر 2017 انسحابه من «منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة»، (اليونسكو)،  وانسحابه من «الاتفاق النووي مايو 2018. الذي وقع عام 2015. بين إيران، والدول الأعضاء في مجموعة 5+1. كما يهدد ترامب بإلغاء «اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية» (نافتا)، وتم خفض المساعدات التي تقدمها واشنطن لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، بمقدار 60 مليون دولار، كإجراء عقابي ضد السلطة الفلسطينية التي تعارض سياستها تجاه الشرق الأوسط؛ الأمر الذي دفع 7 سفراء سابقين في الأمم المتحدة، يوم 3 يوليو الجاري، مطالبة إدارة ترامب بمعاودة تمويلها مجددا.

ومع ذلك، زعمت «نيكي هالي»، في أعقاب قرار الانسحاب، أن الولايات المتحدة «ستواصل العمل من أجل دعم حقوق الإنسان من خلال مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وفي أماكن أخرى»، وهو ما بينه «بريت شيفر» الباحث في الشؤون التنظيمية الدولية بمؤسسة هريتدج العالمية، في صحيفة ديلي سيغنال الأمريكية، بأنه «من الأفضل للولايات المتحدة أن تركز جهدها على النهوض بحقوق الإنسان من خلال أماكن ووسائل أخرى؛ نظرًا إلى حق النقض الذي تتمتع به الصين وروسيا اللذين غالبا ما يستخدماه لحماية مُنتهكي حقوق الإنسان، الذين يسعى الغرب إلى محاسبتهم، وهو ما يترك واشنطن من دون أي سلطة حقيقية لإدارة آليات حماية حقوق الإنسان على المسرح الدولي بأكمله».

إلا أنه وبالنظر إلى مآلات هذا القرار، نجد أنه باعتبار الولايات المتحدة أكبر قوة اقتصادية وعسكرية وثقافية، فإن المجلس بدونها سيظل ضعيفًا في قدرته على محاسبة منتهكي حقوق الإنسان، غير أن بعض الأكاديميين يرون أنه بغض النظر عن هذا الاعتبار، من غير المحتمل أن يكون للانسحاب الأمريكي تأثير هائل على تقويض سلطة المجلس من عدمه، حيث يشير «كريشناديف كالامور»، الكاتب الأكاديمي في مجلة «ذي أتلانتك الأمريكية»، إلى أن «حلفاء واشنطن من الدول الأوروبية سيواصلون الدفاع عن حقوق الإنسان». ولا شك أن المجلس ذاته يتمتع بالرعاية والخدمات من قِبل مدافعين معروفين عن حقوق الإنسان مثل سويسرا وألمانيا وإسبانيا وبلجيكا واليابان، الذين سيستمرون في فرض مستوى عالٍ من الالتزام بحقوق الإنسان عن الولايات المتحدة ذاتها».

غير أنه، بصرف النظر عن الجهود المشتركة لهذه الدول، فإنها لا تزال تفتقر إلى قدرة القوة الناعمة والتواصل العالمي الذي تتمتع به الولايات المتحدة في الدفع نحو إنفاذ مبادئ حقوق الإنسان بشكل جدي. لكن الأهم من ذلك هو ما ترمز إليه نقطة عدم تواجد الولايات المتحدة في المجلس. فوفقًا لما قاله «غابور رونا» الخبير القانوني في كلية «كاردوزو» للقانون في مجلة «ذا أتلانتك الأمريكية»؛ فإن «الانسحاب لا يشير فقط إلى أن واشنطن جعلت اهتمامها بحقوق الإنسان ليس ضمن أولوياتها، ولكنه أيضًا إشارة مفادها أن الزعامة الأمريكية قد ولت». 

ومن حيث التأثير العالمي، هناك تداعيات كبيرة مترتبة على هذا القرار، والتي منها؛ احتمالية تقويض مصالح الدول المتحالفة، وضحايا انتهاكات حقوق الإنسان حول العالم، وإن كان هذا الأمر لا يشكل أهمية كبيرة لترامب وإدارته، حيث ستنجح هذه الخطوة في تحقيق أهداف حكومته لتتماشى مع منهجه الانعزالي، حسبما ذكر «تيد بيكون»، الباحث في السياسة الخارجية في معهد «بروكينغز»، من أن هدف الإدارة الأمريكية من اتخاذ هذا القرار، هو «إضعاف المؤسسات التي لا تروق لها، والتخلي عنها إذا لم تمتثل لمطالبها، وافتعال أزمات مع الحلفاء الديمقراطيين، واتخاذ قراراتها بنفسها من دون أي اعتبار لتأثير ذلك على المصالح الأمريكية». علاوة على ذلك، فإن الانسحاب يحمي أيضًا الإدارة الأمريكية من الانتقادات التي كانت تُوجه اليها، بسبب الهجوم على وسائل الإعلام الحرة، والجدل الأخير المُثار بسبب احتجاز أطفال المهاجرين غير الشرعيين في مخيمات.

وفي حين، أن هذا القرار يمثل انتصارات قصيرة المدى لإدارة ترامب، إلا أنها تحمل بعض الآثار السلبية المحتملة على المدى الطويل، فمن المرجح أن تتعرض مصالحها الحيوية للضرر، من خلال صعود الخصوم الأقوياء، بالتحديد روسيا والصين، حيث إنهما ينافسانها على مواقع النفوذ والتأثير على الصعيد العالمي. وحسبما ذكرت صحيفة «فرانس 24»، رشحت روسيا نفسها بالفعل لشغل مقعد الولايات المتحدة في المجلس، على الأرجح بهدف تغيير الرؤية السائدة حول حقوق الإنسان التي يتبناها النظام الليبرالي الديمقراطي الذي تقوده الولايات المتحدة. 

ومن ناحية أخرى، تشكل الصين التهديد الأكبر للهيمنة الأمريكية، حيث أصبحت تمتلك قدرات عسكرية واقتصادية وثقافية أكثر من أي وقت مضى. ويتمثل حجر الزاوية لسياستها الخارجية المعاصرة، في زيادة نفوذها على الصعيد العالمي من خلال تعزيز استخدامها لتلك القدرات. وفي ظلّ غياب الولايات المتحدة، عن مجلس حقوق الإنسان؛ ستسعى الصين لإيجاد رؤية جديدة، بعيدًا عن التركيز على الديمقراطية والحرية السياسية. وبالتالي فهي ليست قادرة، فقط، على ملء الفجوة التي ستتركها واشنطن، بل الاستفادة من دلالات الانسحاب الأمريكي وفق توجهاتها، وهذا ما أكده «تيرينس مولان»، منسق برنامج المؤسسات الدولية والحوكمة العالمية في مجلس العلاقات الخارجية، من أن «أمريكا المعزولة والعدوانية، تعزز أيضا السرد الصيني بأن أمريكا شريك لا يمكن الاعتماد عليه».

وإجمالاً، فإنه بينما يساعد الانسحاب على المدى القصير في تأمين أهداف الولايات المتحدة، من خلال تقليص مسؤوليتها عن مراقبة الشؤون العالمية والتأثير عليها، وكذلك حماية نفسها من الانتقادات الصادرة عن المجلس؛ فإنه من المحتمل أن تكون هناك تأثيرات طويلة الأجل تعيد تشكيل توازن القوى العالمية، وتقوض المصالح الأمريكية بشكل مباشر، ولا سيما في ظل وجود خصمين قويين هما «الصين وروسيا»، اللذين لطالما سعيا إلى الانتقاص من الدور الأمريكي، من خلال توسيع صياغتهما ورؤيتهما للعالم، وبالتالي توسيع نفوذهما، ليس فقط في مجال حقوق الإنسان، بل أيضًا في المجال الاقتصادي والعسكري والدبلوماسي.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news