العدد : ١٤٧٣١ - الاثنين ٢٣ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٣١ - الاثنين ٢٣ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

طلع طرطور وليس «دكتور»

نعم، عادي جدا أن يذهب قروي إلى لندن لأول مرة، ويحس بالزهو، وفي الوقت نفسه يكتشف أنه «درويش» في زفة، فرغم أنني عشت في الخرطوم حينا من الدهر قبل السفر إلى لندن لأول مرة، فإنه شتان ما بين المدينتين، ولكنني أقرّ بأن الإحساس بالغربة لازمني حتى في الخرطوم طوال حين مديد من الدهر. يعني الخرطوم كانت غريبة عليّ بشوارعها المسفلتة ومحلاتها التجارية الأنيقة، وخاصة ذلك السوق الذي كان يحمل اسم «الإفرنجي»، لأن معظم التجار فيه كانوا من اليونانيين والأرمن السوريين والهنود واليهود، ولم تكن البضائع المعروضة فيه «تخصني»، وكانت به أجزخانة لندن، ومملوكة بالفعل ليهود إنجليز، ولم يستخدم السودانيون كلمة صيدلية كبديل لأجزخانة إلا قبل سنوات معدودة، وكان بتلك الأجزخانة أي نوع من الدواء يخطر ببالك، ولكنني لم أتجرأ قط على دخولها، خوفا عليها من التلوث، أي خوفا من أن يطردني العاملون فيها باعتبار أنني ميكروب ضخم متحرك، فقد كانت مزدانة بالمرايا والزجاج اللامع وبها إضاءة باهرة ليل نهار، ومعظم زبائنها من الأوروبيين أو السودانيين ذوي الخدود الكريستال، ولهذا كنت أشتري الأدوية من أجزخانة «أبو نخلة»، فرغم أن صاحبها كان ذا بشرة فاتحة إلا أن اسم الأجزخانة كان يوحي بالاطمئنان، وأنا ابن النخيل الشامخات الغرّ.

وأذكر أنني ذهبت إلى صيدلية في لندن بعد إصابتي بنزلة شعبية عاتية بعد وصولي إليها لأول مرة بأسابيع، وتوجهت نحو الصيدلاني وقلت له بكل أدب: لو سمحت يا دكتور.. فقاطعني: عفوا أنا لست دكتورا بل صيدلاني. تلجلجت وقلت له ما معناه: يعني برضو دكتور.. فأجاب: لا أنا صيدلاني.. المهم قلت له إنني أريد مضادا حيويا، فطلب مني إبراز الـ«بريسكريبشن» التي نسميها في السودان الروشتة ويسميها غيرنا الوصفة الدوائية، فقلت في سرّي: الله يبربر رأسك. أقول لك إنني أريد مضادّا حيويا وأنت تريد مني الذهاب إلى طبيب والجلوس في قاعة الانتظار، ثم أدخل عليه وقد يقرر أنني لا أستأهل المضاد الحيوي لأنني أسود (على عهد صبانا كان العلاج بالحقن لخاصة الخاصة، أي الناس الواصلين، وكنت تحتاج إلى واسطة كي تفوز بإبرة في العضل أو الذراع).

خرجت من الصيدلية وأنا أقول: أنت فعلا مش دكتور بل طرطور!! عندنا الصيدلاني دكتور والبيطري دكتور وفني المختبرات دكتور والممرض الذي قضى في الخدمة سبع سنوات وشهرين دكتور، وفور قبولك في كلية الطب يناديك الناس «يا دكتور». صاحبنا رفض أن يبيعني مضادا حيويا بحرّ مالي والمضادات الحيوية عندنا تباع على الطبليات في الشوارع. (في بعض المدن العربية صار ممنوعا خلال السنوات الأخيرة بيع المضادات الحيوية إلا بموجب وصفة مكتوبة من طبيب بعد أن لحق بها ما لحق بالأوزون فصارت معظم تلك المضادات عديمة الفائدة لأن أمثالي الذين كانوا يستخدمونها على كيفهم ومزاجهم، قدموا خدمة لأنواع كثيرة من الجراثيم التي تصالحت مع الكثير من أنواع المضادات الحيوية ولم تعد بالتالي تتأثر بها).

رفض الصيدلاني اللندني أن يبيعني المضاد الحيوي ليس لأنني أسود، بل لأنه متمسك بضوابط وأخلاق المهنة، ولعين هذا السبب رفض لقبا لا يستحقه (دكتور)... ولكن ولأن رأسي «ناشف»، وكنت معتادا على التطبيب الذاتي، أي تشخيص ما أعانيه من أمراض، ثم تحديد نوع الدواء الذي «يلزمني»، وأشتريه أو أتناوله من الثلاجة أو أي رفّ في البيت، فقد ذهبت إلى صيدلية أخرى في لندن يديرها شخص آسيوي، وطلبت منه المضاد الحيوي، ففاجأني بطلب البرسكريبشن. حاولت أن أقول له إن الحالة واحدة والناس «لبعضها», ولكنه كان أكثر فظاظة من الصيدلاني الخواجة وخاطبني: دونت ويست ماي تايم.. لا تضيع وقتي. ومنذ يومها «تبت» من شراء المضادات الحيوية حتى بموجب وصفات طبية.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news