العدد : ١٤٨٥١ - الثلاثاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٢ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٥١ - الثلاثاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٢ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

سؤال

سيــد عبــدالقــــــادر

صندوق الصور والذكريات

خزانة الصور تكشف لك الحقيقة الصادمة التي لم تلتفت اليها وأنت غارق في دوامة الحياة، والبحث عن أشياء تأخذك من أن تعيش الحياة نفسها، أوهام اسمها لقمة العيش والطموح، والمنافسة والقيادة والشهرة والمجد.

خزانة الصور التي كنت تقبل عليها مبتسما متهللا، لاستعادة ذكرياتك القريبة، تتحول إلى كابوس مزعج عندما تكشف لك بالدليل القاطع، أنك عشت حياة طويلة، تبدلت فيها ملامحك ومشاعرك ورغباتك.. وحتى أحلامك وطموحاتك، هل عشت في هذا البيت؟ هل سرت في هذا الطريق؟ هل صادقت هذا.. وكيف ولماذا أحببت هذه؟ ما هذه الملابس وكيف طويت هؤلاء الأصدقاء وأدخلتهم إلى دائرة النسيان.

هل كل هؤلاء الذين أرى صورهم في خزانة الذكريات هم أنا؟.. نعم أنا أتذكر يوم التقاط هذه الصورة ومن التقطها رغم مرور 30 سنة أو أكثر على هذا اليوم، أين ذهبت كل هذه البراءة المرسومة على وجهي؟.. هذه الوليمة كنت مدعوا إليها بمناسبة زواج صديقي، كنت أقبل على الطعام بشراهة وعلبة التبغ التي أمامي تقول أنني كنت مدخنا، لم أعد شرها في تناول الطعام وتوقفت عن التدخين منذ عشر سنوات وربما أكثر، ورغم ذلك زاد وزني كثيرا، وتغيرت معالم وجهي، ترى هل هذا سبب ذوبان ملامح البراءة.

هذه الصور تذكرني ببداية حياتي المهنية، كانت الدنيا أمامي تفتح ذراعيها، أو ربما تخيلت أنها كانت كذلك، من المؤكد أن هذا الشعور تبدد على مدى سنوات طويلة، حتى أدركت أنها - أي الدنيا- تمر بجانبي، ثم تستقر خلفي، وربما - أقول ربما- أصبحت تدير ظهرها لي بعض الوقت. 

هذه صورة فتاة أحببتها حبا صادقا وتلك صورة لفتاة كذبت عليها لأنني تمنيت أن أقطف حبات من فاكهتها الطازجة وأهرب، وهذه أحبتني لكنني لم أشعر بها أبدا وأعطيتها ظهري ومضيت بلا تردد، أحاول أن أستعيد مذاق ذكرياتي مع كل صاحبات الصور ولكن الأمر يبدو مستحيلا، بل ربما يبدو محيرا فالتي أعطيتها ظهري ومضيت تبدو أكثر جاذبية من تلك التي أحببتها ردحا من الزمان، هل هو حنين زائف هل هو بريق الذكريات أم هو ندم على سوء الاختيار.

مازلت أتوقف كثيرا عند اختلاف ملامحي، عيناي اختلفت درجة اتساعهما وبريقها، شارب اختفى وخطوط ظهرت على الوجه، حجم جسمي، نظرة العين.. الابتسامة.. الحاجبين... أقاوم هذا الإحساس بأنهم أشخاص متقاربون في الملامح وليسوا شخصا واحدا هو أنا.. يزداد هذا الشعور يقينا فأخشى أن أعيش حالة من الانفصام.

كيف يكونون أشخاصا بملامح متقاربة وأنا أذكر كل موقف التقطت فيه هذه الصور، ومن كان هناك في تلك اللحظة وماذا قلت بل، وكيف كان إحساسي بما حولي، لكن الحيرة تملكني مرة أخرى لأنني أدرك أن إحساسي اليوم بمن حولي ليس كما كان، هذا الذي كنت اعتبره صديقا وفيا، أكدت لي التجربة أنه كاذب ومزيف في مشاعره، هذه الزميلة التي كنت أشعر أنها باهتة الشخصية أبهرتني بعد عشر سنوات، نجحت أكثر من الجميع وأصبح لديها زوج يعشقها وعائلة عرفت كيف تمنحها الكثير من الاهتمام والرعاية، هل كان غرورا أم غباء أن أنظر إليها وأتعامل معها بكل هذا الإهمال، ثم أكتشف أنها صاحبة شخصية غنية في خصالها وثقافتها ووعيها، من أين كنا نأتي بهذه الثقة في وقت كنا نفتقد فيه الخبرة والمعرفة؟!.

كيف أقدمت على اختيارات مهمة ومصيرية في حياتي وأنا أفتقد أبجديات الحياة، هل كان هذا تهورا وحماقة، أم أنني لم أَجِد من يرسم لي - أو يرسم معي- معالم طريقي، أم أنني وجدت شخصا أو أكثر، لكن غروري واندفاعي جعلاني أشعر بضآلة نصائحهما أمام أفكاري الخرقاء وخبراتي المتواضعة التي كنت أحسبها عظيمة.

هل يخدعنا القدر عندما يمنحنا الحق في الاختيار دون أن نكون أهلا لهذا الاختيار، هل من العدل أن نحاسب على كل هذه الحماقات بمقاييس الحكمة التي نعتقدها في أنفسنا بعد مرور هذه السنين الطويلة؟

خزينة الصور والذكريات تثير في النفس الشجون والهواجس، وتجعلك تفكر في البداية والنهاية، وسنوات فيما بينهما هي صفحات حياتك التي عشتها لاهثا تبحث عن أحلامك التي نلت بعضها وسقط بعضها وأهملت عن طيب خاطر بعضا آخر منها لأنك اكتشفت أنها أحلام لا تستحق العناء أو اللهاث وراءها.

خزانة الصور والذكريات تتحول في أوقات ربما اختارها القدر لك دون أن تدري، إلى ناقوس يوقظك من غفلتك لتسأل نفسك.. إلى أين وإلى متى؟

إقرأ أيضا لـ"سيــد عبــدالقــــــادر"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news