العدد : ١٤٧٨٨ - الثلاثاء ١٨ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ محرّم ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٧٨٨ - الثلاثاء ١٨ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ محرّم ١٤٤٠هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

فذلكة حول العرق و«العربقة»

كما أوضحت في مقالات سابقة، فقد اكتشفت هويتي في أول زيارة لي للندن في أواخر سبعينيات القرن الماضي، عندما سألني مسؤول المسكن الذي كان مقررا أن نقيم فيه عما إذا كنت عربيا أو إفريقيا، فأخبرته بأنني عربيقي، وكانت تلك أول مرة أنتبه فيها إلى أن موضوع الهوية (وصار موضوعا يشغل أهل السودان في السنوات الأخيرة، مع تنامي دعوات لأن نكون «سودانيين» وكفى، باعتبار أننا شعب هجين، ولا معنى لادعاء الانتماء إلى عرق دون آخر)، ولكن انتمائي لإفريقيا يسهل إثباته لأن وطني في قلب إفريقيا، وملامحي ولون بشرتي إفريقية، والأهم من كل ذلك أنني أنتمي إلى واحد من أعرق شعوب وحضارات العالم (النوبة)، ولغتي الأم هي النوبية التي كان أسلافي يتحدثونها قبل أكثر من ستة آلاف سنة، ولأن السودان الأوسط استعرب قبل مئات السنين، ولأن العربية هي اللغة الرسمية للتعليم والعمل العام في السودان، فقد اكتسبت العروبة باكتساب اللسان العربي، ولم تكن هذه المسألة، أعني أنني كوكتيل من الناحية العرقية والثقافية، «تفرِق» معي، فلا أنا أحس بأنني «ناقص» لأنني أسود وعربي ومسلم، ولا أن ذلك يجعلني أفضل من غيري من بني البشر، بل الناقص أخلاقيا وثقافيا هو من يظن أن لون بشرته أو انتماءه العرقي أو القبلي أو العائلي يجعله أفضل ممن هم حوله.

ولكنني كعربيقي، يطغى المكوِّن الإفريقي على ملامحه، وكشخص يعتز بانتمائه لبني البشر، وظل حتى قبل اتخاذ الإعلام مهنة لكسب العيش، معنيا بأحوال الشعوب المضطهدة والمظلومة (وجيلنا نشأ على إيقاع الطبول المطالبة بالحرية في كل القارات)، ظللت حائرا في أمر بعض ذوي البشرة الفاتحة الذين يحسبون أن ذوي البشرة السمراء أو السوداء أقل منهم شأنا وذكاء وجمالا. مثلا تعاير فتاة قوقازية (وهذه هي التسمية المناسبة Caucasian لمن نسميهم بالشعوب البيضاء لأن العلم أثبت أن أسلافهم ينتمون إلى منطقة القوقاز). تعاير فتاة إفريقية بأن شعرها قصير، ولكنها تقص شعرها بطريقة رجالية أو على الزيرو، وتعتبر نفسها في منتهى الحلاوة، وكان الخواجات يعايرون السود بأنهم يوسمون وجوههم وأطرافهم بعلامات ذات دلالات قبلية، ثم صرنا نرى ملايين الخواجات وفي أذن كل واحد منهم مجموعة من الأقراط، بل صار من المألوف لدى بنات الخواجات غرز أقراط في اللسان والسرة (وعندما يكون القرط في السرة تحرص الفتاة على الخروج وبطنها مكشوفة، وصار الوشم المقرف يغطي أجساد معظم الخواجات وخاصة الأمريكان.

والكارثة هي أن بعض السود، وخاصة النساء منهم، صرن معقدات من ألوانهن الطبيعية، وصرن مهووسات بدهانات ومساحيق تفتيح البشرة، بل إن الصناعات الدوائية والطبية جعلت من تفتيح البشرة تجارة رابحة، وكلما مررت بعيادة تجميل تتحدث يافطاتها عن تفتيح البشرة اعتبر ذلك إهانة شخصية، وأود لو اقتحمها وأقول للقائم على أمرها وزبائنه من النساء: أنا «مفتح» أكثر منكم ومنكن جميعا رغم سواد بشرتي، ثم ما قيمة الجلد ذي اللون الفاتح إذا كان المخ أو العقل «مقفولا / مغلقا».

والشاهد هو أن كوني عربيقيا زار عددا من بلاد الخواجات، وعايش وعاين ممارسات عنصرية، لم يجعلني أحس بالدونية، بل «الدون» و«الداون»، هو من يحسب أن لون بشرته يعطيه ميزة عن الآخرين.

وأكتب هذه السطور وفي الخاطر الألعاب الأولمبية، حيث نرى في كل دورة كيف أن السود رجالا ونساء يكتسحون المنافسات التي تتطلب قوة التحمل والنفس الطويل، وهناك طرفة أمريكية تقول: ما هو أسوأ شيء في أن تفوز بسباق المائة متر في أقل من عشر ثوانٍ؟ الإجابة: أن تكون أسود اللون، ومن نكاتهم العنصرية أيضا: ماذا تسمي شخصا أسود مقطوع اليدين؟ ج: أمين وجدير بالثقة!!

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news