العدد : ١٥٠٥٩ - الأحد ١٦ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٥٩ - الأحد ١٦ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

الاتحاد الأوروبي وقضية الهجرة.. بين المتطلبات الأمنية والاعتبارات الإنسانية

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الثلاثاء ٠٣ يوليو ٢٠١٨ - 01:00

على الرغم من تعدد الأسباب التي حدت ببريطانيا للخروج من منظومة الاتحاد الأوروبي في أعقاب استفتاء أجري لهذا الغرض فإنه مما لا شك فيه أن قضية الهجرة كانت أحد أسباب ذلك الخروج إذ كانت بريطانيا تستقبل حوالي مليون وافد سنوياً، بل إن تلك القضية كانت سبباً لنجاح تيارات يمينية لأول مرة في الانتخابات البرلمانية التي شهدتها بعض الدول الأوروبية، ومع أن تلك القضية ليست بالأمر الجديد بل كانت -ولا تزال- هاجساً يؤرق الدول الأوروبية ليس فقط من منظور الأعباء الاقتصادية التي يرتبها هؤلاء المهاجرون على اقتصادات الدول الأوروبية وخاصة الشرقية منها المثقلة بالبطالة ومعدلات التضخم المتنامية، بل من منظور الاعتبارات الإنسانية وخاصة القيم التي لطالما رأى مؤسسو الاتحاد أنها تمثل جوهر ذلك التجمع الذي برغم تطوره عبر حقب زمنية مختلفة من صيغة الى أخرى فإن ذلك لم يمس جوهر تلك القيم التي مثلت «القوة الناعمة» للاتحاد الأوروبي، وبالتالي فإن إقرار الاتحاد الأوروبي اتفاقاً حول الهجرة في التاسع والعشرين من يونيو 2018 يمثل تطوراً مهماً ولا سيما في ظل جهود دول الاتحاد للإبقاء على تلك المنظومة في أعقاب خروج بريطانيا منها، ذلك الاتفاق الذي تضمن بنوداً مهمة للغاية، وهي إنشاء منصات إنزال للمهاجرين خارج أوروبا، وتشييد مراكز خاضعة للمراقبة في دول أوروبية، وذلك بهدف إحداث عملية «فرز» لهؤلاء المهاجرين للتمييز بين من يستحقون اللجوء والمهاجرين غير الشرعيين، بالإضافة إلى دعوة كافة دول الاتحاد الأوروبي الى اتخاذ كل الإجراءات الضرورية لتجنب انتقال هؤلاء فيما بينها، فضلاً عن الاتفاق على زيادة الدعم المقدم لكل من تركيا والمغرب وبعض بلدان الشمال الإفريقي، ولا شك أن ذلك الاتفاق -في حال إجماع الدول الأوروبية على تنفيذه- من شأنه ليس فقط تحقيق العدالة بين الدول الأوروبية بشأن استقبال اللاجئين حتى لا يكون الموقع الجغرافي عبئاً على دولة ما، حيث لوحظ أن إيطاليا تحملت العبء الأكبر خلال سنوات مضت لكونها البوابة الأولى للاتحاد الأوروبي قبالة البحر المتوسط، فعلى سبيل المثال ووفقاً للمنظمة الدولية للهجرة فقد بلغ عدد المهاجرين الذين وصلوا الى الدول الأوروبية عبر البحر المتوسط منذ يناير حتى سبتمبر 2017 حوالي 133 ألفاً و640 مهاجراً بينما لقي 2556 حتفهم غرقاً في البحر، وقد بلغ نصيب إيطاليا وحدها حوالي 75% من هؤلاء المهاجرين.

وفي تقديري أن معالجة تلك القضية ربما تحتاج إلى ثلاث مقاربات أكثر شمولاً، أولها: تهيئة الظروف التي من شأنها الحد من موجات الهجرة المتنامية، من ذلك توقيع قادة الدول الأوروبية خلال اجتماعهم في بروكسيل في 20 أكتوبر 2016 اتفاقيات تجارية تستهدف ضخ استثمارات في خمس دول إفريقية، هي نيجيريا والنيجر ومالي والسنغال وإثيوبيا، وذلك للحد من الهجرة من الدول الإفريقية، على أن يتم توسيع تلك الخطة مستقبلاً لتشمل عدداً أكبر من الدول الإفريقية، ثانيها: أهمية وضع مصالح الدول الإقليمية بعين الاعتبار وخاصة دول الشمال الإفريقي بحيث تتجاوز عملية التوافق النطاق الأوروبي لتشمل توافقاً بين دول الاتحاد والشركاء الإقليميين انطلاقاً من أن دول الشمال الإفريقي ذاتها تعد معبراً لهؤلاء المهاجرين القادمين من القارة الإفريقية، وثالثها: أهمية تأسيس آليات جماعية للتعامل مع قضية الهجرة في منطقة البحر المتوسط من أجل تكامل الجهود بدلاً من تنافسها في ظل تعدد الآليات التي تستهدف تحقيق الأمن في البحر المتوسط ابتداءً بقوات المسعى النشط التي أسسها حلف شمال الأطلسي وتتمثل مهمتها في اعتراض السفن التي يشتبه في أنها تحمل أسلحة دمار شامل أو جماعات إرهابية، ومروراً بإطلاق الاتحاد الأوروبي ما عرف بعملية «صوفيا» في عام 2015 لمواجهة عصابات تهريب المهاجرين في البحر المتوسط والتي تم تمديد عملها حتى نهاية العام الجاري 2018، وانتهاءً بإعلان 9 دول أوروبية في الخامس والعشرين من يونيو 2018 تأسيس «مبادرة التدخل الأوروبية» لمواجهة الأزمات خارج منظومة الاتحاد الأوروبي، ولا شك أن وجود تنسيق بين الآليات الثلاث من شأنه الحيلولة دون تضارب الجهود وعدم إتاحة الفرصة لعصابات التهريب لاستغلال بعض الثغرات وضعف التنسيق للمضي قدماً في تنفيذ عمليات الهجرة غير المشروعة.

وربما تحقق الإجراءات المشار إليها أمن الدول الأوروبية من خلال الحد من الهجرة غير الشرعية إلا أن المعضلة الكبرى برأيي تتمثل في وضع هؤلاء المهاجرين داخل المجتمعات الأوروبية والذي لا يرتبط بمسألة هوية تلك المجتمعات فحسب لكون هؤلاء المهاجرين لديهم أنماط ثقافية واجتماعية مختلفة، بل سعي بعض الأحزاب اليمينية لتوظيف تلك الاختلافات من خلال الترويج لأفكار مغلوطة بشأن هؤلاء المهاجرين الأمر الذي انعكس في تباين السياسات بشأن التعامل مع هؤلاء المهاجرين ليس فقط بين الدول الأوروبية بل داخل الدولة الأوروبية الواحدة. 

وأتصور أن مدى نجاح الاتحاد الأوروبي في معالجة تلك القضية سيكون آلية جديدة للدفع بالتكامل الأوروبي قدماً والذي لن يتحقق إلا بمساهمة كافة الدول أعضاء الاتحاد بشكل عادل، فضلاً عن أن تلك القضية -التي تربط بهوية وقيم الاتحاد- تحتاج إلى توازن دقيق للغاية بين المتطلبات الأمنية والاعتبارات الإنسانية، وهو المعنى الذي أشارت إليه صراحة المستشارة الألمانية إنجيلا ميركل في كلمة لها أمام البرلمان الأوروبي قبيل اجتماع الدول الأوروبية لمناقشة قضية الهجرة إذ قالت: «إما أن ندير المسألة، ليؤمن الآخرون في إفريقيا أننا نتّبع القيم ونؤمن بالتعددية لا الأحادية، وإما فلن يؤمن أحد بعد الآن بمنظومة القيم التي جعلتنا أقوياء». 

 

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية

 بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news