العدد : ١٤٨٥٢ - الأربعاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٥٢ - الأربعاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

نحن سود وسمر وهم ليسوا بيضًا

لا أكن أي مشاعر سلبية تجاه الخواجات، رغم أن بعضهم يعتبرني أقل منهم شأنا ووزنا بدرجات، بل أحفظ جمائلهم للجنس البشري، وأدرك أن كل شيء جعل حياتنا في العصر الراهن سلسلة، من إبداع عقولهم، ولا ينكر إلا مكابر إسهاماتهم في الحضارة المعاصرة، بل إنني لا أكره الشعوب الأوروبية بسبب ماضيها الاستعماري الامبريالي، يوم كانوا هم السادة ونحن الرعية الرعاع، فلا يجوز محاسبة الأحفاد على أفعال الأجداد، ولكن يضايقني كثيرا قبولنا -إلى تاريخنا هذا- بمسميات وتصنيفات فرضها علينا الخواجات من منظورهم.

انظر إلى توصيف أنفسهم بـ«البيض»، بينما لا يتمتع ببياض البشرة إلا شخص يعاني من مرض جلدي معين، ويصبح «أمهق»، بينما هناك شعوب سوداء فعلا وأخرى سمراء فعلا، ما يعني ان الخواجات اختاروا لوصف بشرتهم «البياض»، ليميزوا أنفسهم عن السود، أخذا في الاعتبار ان البياض يرتبط بالخير وصفاء النية وحسن الطوية والنقاء والطهر، بينما السواد صفة مرذولة في الأفعال والأقوال: قلبك أسود ونيتك سوداء ونهار أبوك أسود وحظك زي الزفت والزفت أسود، وعموما فهم يسمون كل من لايشبههم «ملونا»، ما يعني أن لون بشرتهم هو أساس الألوان، وما عداه يصبح «خروجا/ تفريعة» عنه، واحتار الخواجات في أمر شعوب شرق آسيا فوصموهم بالصفرة وصاروا يتحدثون عن الشعوب الصفراء، مع أن الإنسان سواء كان إفريقيا أو آسيويا أو أوربيا لا يصبح أصفر البشرة، ما لم يصب بالتهاب الكبد (هيباتايتس بي) الذي يسمى اليرقان أو الصفار، وهناك بلايين البشر في كل القارات، يحملون فيروس هذا المرض ويعيشون حياتهم العادية.

وقد تحدثت في بداية هذه السلسة من المقالات عن صلف الأوروبيين الذين كانوا يعتقدون أنهم مركز الكون وسكانه الأصليون منذ القدم، وهكذا ما إن ضل ذلك الأهبل كولمبس طريقه إلى أمريكا، بينما كان مكلفا باكتشاف طريق قصير يقود إلى الهند، حتى أطلقوا على أمريكا اسم «الأراضي الجديدة»، وكلما وصل أوروبي لأول مرة إلى جبل أو بحيرة أو نهر، زعم هو وزعمت معه الدوائر العلمية والرسمية أنه مكتشفه، والاكتشاف هو ان تعثر على شيء كان موجودا ووجوده غير معلوم للناس، وجبل إيفرست وبحيرة فكتوريا ونهر الأمازون كانت موجودة، ومكانها معلوم لدى من يعيشون قربها أو حولها، ولكنها لا تعتبر مكتشفة إلا بوصول أول أوروبي إليها.

البحيرة التي ينبع منها النيل الأبيض مثلا كان اسمها المحلي نام لولوي، ولكن البريطاني جون هانيننغ سبيك ورفيقه ريتشارد فرانسيس بيرتون أطلقا عليها اسم ملكة بلادهم (فيكتوريا)، ولم يعد اسمها الأصلي معروفا، وبالمناسبة حتى النيل الأبيض أطلقوا عليه اسم نيل فيكتوريا، ولكن السودانيين أضاعوا ذلك الاسم، لأن النيل الآخر الذي يلتقي معه في الخرطوم قادم من الهضبة الحبشية وبحيرة تانا يحمل الكثير من الطمي وماؤه مائل للسمرة والسواد، والسودانيون يستخدمون كلمة «أزرق» لوصف كل ما هو أسود، حتى الناس السود يوصفون بالزرقة، بينما الشخص المائل للسمرة يوصف بأنه «أخضر»، وإذا طلبت مثلا من شخص ما ان يصف جعفر عباس فإنه لا يكتفي بأن يقول إنه أخضر اللون بل يقول عنه «أخضراني» وقياسا على هذا عندنا أبيضاني وأحمراني لذوي البشرة الفاتحة (طالما الخواجات وصفوا بشرتهم بلون ليس فيهم فمن حقنا كسودانيين ان نتخذ تسميات لونية على كيفنا)، وقياسا على زرقة النيل الحبشي صار النيل الآخر «أبيض».

وهكذا أيضا فرض الإنجليز على بقية بني البشر توقيت قرينتش، بأن جعلوا قرية صغيرة مركز الكون ليقاس الزمن بالزيادة والنقصان شرقها وغربها بواقع أربع دقائق لكل خط طول، أما خط الاستواء المرتبط بالحر والملاريا والحشرات والزواحف الضارية فقد تركوه للأفارقة وأمريكا اللاتينية.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news