العدد : ١٤٨٥٢ - الأربعاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٥٢ - الأربعاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

الثقافي

كلُّ نصٍّ عصيٍّ على الفهم لا قيمةَ له: د. يسرى بيطار: الموسيقى هي لغةُ الرّوح. وإذا كانَ الشّعرُ فيضَ العاطفة، فهذا الفيضُ لا يخرجُ إلاّ على نغمِ الرّوح

حاورها: بسام الطعان

السبت ٣٠ يونيو ٢٠١٨ - 01:15

شاعرة لبنانية من مواليد 1977/ قرية كفيفان شمال لبنان، حاصلة على شهادة الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها، وشهادة الكفاءة في التربية، وشهادات عليا في الحقوق، تعمل أستاذة للغة العربية والألسنية في الجامعة اللبنانية، وأيضا في الجامعة اللبنانية الأمريكية، حاصلة على عدة جوائز أدبية، ترجمت بعض قصائدها إلى الانجليزية والألمانية، وتنشر نتاجها في الصحف والمجلات المحلية والعربية.

ـ صدرَ لكِ ديوانٌ شعريّ حملَ العنوان «أكادُ من المحبّةِ أسقُط».. هل لكِ أن تحدّثينا عن هذا الديوان، وماذا أضاف إلى تجربتكِ الشّعريّة؟

* يتألّفُ الدّيوان من ثمانٍ وخمسين قصيدةً موزونةً من الشّعر العموديّ أو شِعر التّفعيلة، يغلبُ عليها الحبّ، والوجدانيّات، والشّعرُ الوطنيّ. وهي قصائدُ ذاتُ طابعٍ رومنطيقيٍّ إجمالاً.

لقد تبلورَت موهبتي الشّعريّة في هذا الدّيوان واكتسبَت شيئًا من النّضوج، كما زادَ من ثقتي وطموحي أنّ هذا الدّيوان قد حصدَ جائزة ناجي نعمان الأدبيّة العالميّة للإبداع بعد أربعة أشهر على صدورِه عام 2016.

ـ قصائدكِ فيها جمالٌ لا متناهٍ وابتكاراتٌ مجازيّة وصوَريّة، إضافة إلى الانزياح اللغويّ المدهش، من أين يتأتّى لكِ كل هذا، من صدق التجربة أم من شحنة الروح، أم ماذا؟

* أظنّ أنّ الصّورةَ الأصدق، وهي الصّورةُ الأجمل، لا تخرجُ إلاّ من الشّحنِ العاطفيّ. ولا أنكرُ ما للتّمكّن اللّغويّ من تأثيرٍ في تشكيل الصّورة بمظهرِها الأبهى. 

ـ ما هي المزايا التي تجعل القصيدة ناجحة بكلّ المقاييس، وهل اسم الشاعر يكفي؟

* اسم الشّاعر ليس وليدَ الصّدفة. ومهما حاولَت الوسائلُ الدّعائيّةُ أن تنشرَ اسما معيّنًا فهي لن تنجحَ ما لم يكنْ مستحقًّا. 

والشّاعرُ يولدُ شاعرًا، سواءٌ أكتبَ الشّعرَ في حياتِه أم لا. لكنّ الشّعرَ استعدادٌ فطريٌّ عاطفيّ.

أمّا نجاحُ القصيدة فيستلزمُ أوّلاً الحالةَ الشّعريّة، وهي حالةُ الانفعالِ العاطفيّ، كما يستلزمُ براعةً لغويّةً؛ واللّغةُ العربيّةُ عبقريّةٌ لمَن يتقنُها. والشّعرُ لا يكونُ بلا إيقاعٍ موسيقيّ. يقولُ سعيد عقل: «في البدايةِ يسيطرُ عليّ نغمُ القصيدة». يقصدُ بدايةَ عمليّة الكتابة. وأنا أقولُ إنّ هذه هي الحقيقة.

ـ بعضُ الشّعراء -ولْنقُل الجدد حتّى نكونَ منصفين- يظنّون أنّ الحداثةَ تعني الهلوَسة والغموضَ المُفضي إلى المتاهة، ويكتبون كلامًا غامضًا على نحوٍ ما، على أنّه قصيدةُ نثر، وحين يقرأُها المتلقّي يَغرقُ في ظلام المعاني ويعجزُ عن رؤيةِ أيّة صورة في هذه القصيدة أو تلك، فهل العيب في قصيدة النّثر أم في الطّارئين عليها ممّن لا يعرفون الفرق بين الصورة الشّعريّة والهذيان؟

* إنّ الأدبَ على العموم، سواءٌ أكانَ شعرًا أم نثرًا، لا يمكنُه أن يقومَ على ما سمَّيتموه «الهذيان». لقد قيل: «إنّ اللاّ وعي هو أعلى درجات الوعي»، وبناءً على ذلك فالأديب عندما يكتب، وإنْ عبّرَ عن لا وعيِه بحسب علم النّفس، فإن مقصدَه من الجملةِ التي يكتبُها يجب أن يبقى مفهومًا. 

حتّى المجازُ والانزياح، هناكَ قواعدُ وأسُسٌ منطقيّة تقومُ عليها الرّموز وقواعدُ الارتباطِ في النّصّ تسمحُ بتفسيرِها. 

وإنّ كلَّ نصٍّ غيرِ مفهومٍ لا قيمةَ له. إذْ كيف سنَحكمُ على قيمتِه؟

ـ القصيدة والموسيقى توأمان، والحضور الإيقاعيُّ في النّصّ الشّعريّ يمشي جنبًا إلى جنب مع الصّور الشّعريّة، يتناغمان، فيستدعي أحدُهما الآخر، والقصيدة التي لا تُطرِبُ سامعَها لا يحقُّ لها الانتماءُ إلى الشعر، أليس كذلك؟

* نعم. هو كذلك. قالَ جبران: 

«وأنينُ النّاي يبقى بعدَ أن يفنى الوجود».

الموسيقى هي لغةُ الرّوح. وإذا كانَ الشّعرُ فيضَ العاطفة فهذا الفيضُ لا يخرجُ إلاّ على نغمِ الرّوح.

ـ البعض يقول إنّ شعر التفعيلة مازال يؤكّد جدارته الفنّيّة من حيث الشكل في استيعاب الطموحات الشعريّة لدى الكثير من الشّعراء العرب المعاصرين، وبالمقابل لو ألقينا نظرة سريعة على المجلّات الأدبيّة والصفحات الأدبيّة في الصحف اليوميّة على سبيل المثال نكتشف دون عناء أنّ أكثر من 80% مما ينشر من شعر ينتمي إلى حقل قصيدة النثر، ما رأيكِ؟

* من دون أن أكونَ حادّةً في قضيّةِ الشّعر الموزون، فأنا أعتقد أن النّصَّ النّثريَّ المختلف عن النّثرِ المتماسك يمكنُ تسميتُه «النّثيرة» وهو المصطلح الذي أطلقَه الشّاعر اللّبنانيّ سعيد عقل. 

فهو ينثرُ الأفكارَ والعواطفَ هكذا على سجيّتِها، من دونِ قيدٍ موسيقيٍّ محدَّد. وإنّ النّصَّ الأدبيَّ الذي ينطلقُ من العاطفة إلى عمق النّفس الإنسانيّة هو جديرٌ بالتّقدير مهما كانَت تسميتُه ومهما كانَ شكلُه. 

ـ قال الشاعر اللبناني يوسف الخال: بالنسبة إلي شخصيًّا هناك شعر كثير يكتبه (شوقي أبي شقرا) لا أفهمه، السؤال هنا: إذا كان أحد الشعراء الرواد يعترف بأنّ الشّعر الحديث غير مفهوم وليس شعرًا، فكيف بالقارئ العاديّ أن يفهمه؟

* صحيحٌ ما تفضّلتم به. وقد قلْتُ أعلاه إنّ كلَّ نصٍّ عصيٍّ على الفهم لا قيمةَ له.

ـ من حيث الكيف ما الأولويّات الضّروريّة للإبداع الشعريّ، وهل تأتي اللّغة في المقام الأول؟

* الموهبة تأتي في المقام الأوّل، وهي الشّرطُ العاطفيّ. ثمّ اللّغة. 

ـ من هو الشاعر الذي يوفر للمتلقي الجمالية الشعرية ويترك فيه أثرًا؟

* إنّ الشّعرَ الأكثرَ تأثيرًا في المتلقّين هو الشّعرُ الذي يثيرُ عواطفَهم، وشعورَهم بالجمال، في آنٍ معًا. 

والإحساسُ بالجمال قد ينتجُ من المشاعرِ التي يولّدُها تلقّي القصيدة، أو من الصّورة، أو النّغم، أو الفكرة الإبداعيّة.

ـ ماذا على الشاعر أن يفعل حتى يطوّر أدواته، ويحدّد رموزه ولا يقع في تقليدية مملة؟

* الشّاعر الموهوب الذي يكتبُ تحت الحالة العاطفيّة لا يقعُ في الرّتابة، أبدًا. فالمشاعرُ لديه نهرٌ دفّاقٌ دائمُ الفيض.

ـ هل صحيح أنّ الشعر مثل الموسيقى، وأنّه ليس مصنوعًا كي يفهم بالعقل، وإنّما يجب على المتلقّي أن يدخل في جوّه دون حاجة إلى فهمه؟

* ليس هذا الزّعمُ صحيحًا أبدًا. فالموسيقى طاقةٌ روحيّةٌ موجودةٌ للرّوح. أمّا الكلمة فهي للعقلِ بكلِّ ملكاتِه، حتّى الملكة العاطفيّة. الموسيقى جزءٌ أساسيٌّ من الشّعر، لكنّ الشّعرَ يضيفُ إليها الكلمة. وبناءً على ذلك فإن العقلَ يجب أن يفهمَ الكلمة. «وفي البدء كانت الكلمة». 

ـ ما موقفكِ من النّقد في لبنان، كيف ترينه، هل يخدم الأدب والأديب والشّاعر، أم هو مجرّد مديح لهذا وذاك وتلك؟

* نميّزُ هنا بين النّقدِ الجامعيّ الأكاديميّ، وبين نقدِ الهواة والمتابعين. إنّ كلَّ محاولةٍ نقديّةٍ تقدّمُ فائدةً معيّنةً للشّاعر، وهي لذلك إيجابيّة. أمّا إطلاقُ الأحكام فحتّى النّقدُ الأكاديميُّ المستندُ إلى أبحاثٍ منهجيّة يتحفّظُ أمامَه. 

ـ كيف تصِفين الأصوات الشّعريّة النّسائيّة في لبنان؟ وهل من أصوات شعريّة جديدة يمكن أن ينظر إليها بعين الدّهشة والإعجاب؟

* الدّهشة دائمًا نسبيّة. أمّا الأصواتُ الشّعريّة النّسائيّة في لبنان فهي متقدّمةٌ جدًّا، وتتميّزُ بالحرّيّة والمواجهة، وتستحقُّ الإعجاب. المرأة عمومًا، تكتبُ تحت ضغوطٍ شتّى، تمارسُها الأسرة والتّقاليد والمجتمع، لذلك فكلُّ امرأةٍ تكتبُ في الشّرق هي بطلة.

ـ الشاعرة الرائعة د. يسرى بيطار سعدتُ بالحوار معك، وكلّ نبضة حرف مدهشة وهديل حمامة وأنت بخير.. وأخيرًا ماذا أعطاكِ الشّعر، وماذا أخذ منكِ؟

* الشّعرُ دائمًا يعطي ولا يأخذ. إنّه القوّةُ التي تحوّلُ الضّعفَ إلى طاقة، والحزنَ إلى نشوة، والألمَ إلى إبداع. 

شكرًا جزيلاً لكم. ويبقى الشّعرُ هو التّحليق فوق الذّرى، وفوق التّاريخ.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news