العدد : ١٤٧٩٤ - الاثنين ٢٤ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٤ محرّم ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٧٩٤ - الاثنين ٢٤ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٤ محرّم ١٤٤٠هـ

الثقافي

الأستاذ وشرفات الأمل إلى عاشق الشمس!

بقلم: خليفة اللحدان

السبت ٣٠ يونيو ٢٠١٨ - 01:15

كان الشتاء يحمل حقائبه المبللة بحبّات المطر، الدروب زلقة، والغيوم تودّع السماء، والعصافير ترمّم أعشاشها بعد شتاء ماطر، والقبرات يتقافزن على التلال القريبة، والربيع يفتح في قلوبنا شرفات الأمل، وينبت لها أجنحة تطير على حافة الغيم، ونحن نجد الخطا لمدرستنا البعيدة عن منازلنا، في تلك السنين الخوالي أتذكر ذلك المدرس المهيب الذي دخل علينا الفصل في ذلك اليوم في مدرسة البديّع الابتدائية وفتح لنا شرفة البحر وانتظارات النخيل، كان ذلك في بواكير الستينيات الماضية كنا ننتظر حصة الأستاذ بفارغ الصبر، كان مختلفا عن باقي الأساتذة حيث لا نشعر بالخوف بل نشعر بالدفء والأمان، كنا مبهورين بطريقته وقصصه الجذابة التي تحلّق بنا بعيدا بعيدا في عالم الحكايات العجيب في عالمنا الطفولي البريء، ونتمنى ألا نعود من ذلك العالم الخلاب الجميل،

وفي منتصف العام الدراسي اختفى الأستاذ فجأة، وجاء إلينا استاذ آخر كنا نتساءل أين ذهب الأستاذ؟ فمن يقول لنا إنه أخذ اجازة ومن يقول إنه نُقل إلى مدرسة أخرى، ولكن تفكيرنا الطفولي البسيط لا يستوعب ذلك الغياب المفاجئ، وتدرجنا في مراحل العمر واكتشفنا سر تلك الأرواح التي تشتعل بالأمل، وتحلم بالغد السعيد رغم مكابدة العناء كانوا يشعلون أعمارهم شموعا تنير دهاليز الحياة المعتمة، لم تحبطهم الوحشة ولا الجحود والنكران، ووعورة الدروب، وأشواك الغربة، وظلمة المنافي، لأنهم حين فتحوا تلك الشرفات كانت تلك أرواحهم المفعمة بالألق والعنفوان، فتحوا قلوبهم بيوتا للناس البسطاء الذين اضنتهم الحياة، لم ينحازوا لأحد ولكنهم انحازوا للصدق والأمانة، كانوا ملاذ الجميع، يبذرون الحب في كل مكان، كانوا يشعرون في قرارة أنفسهم أن هناك مسؤولية ملقاة على عاتقهم يجب أن يوصلها بصدق وحب للناس، ولا ينتظرون الشكر والعرفان، وكان أستاذنا في مقدمة تلك الصفوف. ومضت الأيام، وكبر الحلم على مقاعد الدراسة ووجدنا أستاذنا قد شق غمار الكتابة وجسد تلك الشخوص المتعبة الحالمة التي صادفها وعاش معها في دروب الحياة ليواسي صاحب العربة، ويحلق في شرفات الشمس، ويودع عازف السكسفون، ويغوص في ثقوب المدينة ويجري مع النهر، ويرقص على سلالم الهواء ويسكن في حضن غيمة، وغدت حكاياته زاد المبعدين وملاذ المحرومين وسلوة المنفيين، عندها أدركت سر ذلك الغياب المفاجئ لأستاذنا المهيب محمد ملك (هكذا كان يسمّى) لأنه حينها كان يعانق الشمس. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news