العدد : ١٤٨٥٢ - الأربعاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٥٢ - الأربعاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

الاسلامي

وماذا بعد رمضان

الجمعة ٢٩ يونيو ٢٠١٨ - 11:35

بقلم: د. علي أبو هاشم 

    أيها المسلم الكريم، إن كان رمضان قد انقضى، فإن الصيام والقيام وتلاوة القرآن والعبادة والطاعة لم تنقض، ومن كان يعبد رمضان فإنه ينقضي ويفوت، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وبئس العبد عبد لا يعرف ربه إلا في رمضان، إن من علامات قبول الطاعةِ، الطاعةُ بعدها، فعلينا مواصلة الطاعات، ومتابعة القربات، ولا يكن آخر عهدك بالقرآن ختمة رمضان، ولا بالقيام آخر ليلة من لياليه، ولا بالبر والجود آخر يوم فيه، ولقد حذرنا الله تعالى أن نكون مثل بلعام بن باعوراء، عالم بني إسرائيل الذي أذاقه الله حلاوة الإيمان وآتاه آياته، ثم انقلب على عقبيه واشترى الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة، وانسلخ من آيات الله كما تنسلخ الحية من جلدها. يقول تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ). الأعراف175. وحذَّرنا ربنا سبحانه أن نكون مثل (ريطة بنت سعد) امرأة مجنونة كانت بمكة، كانت تغزل طول يومها غزلا قويًا محكما ثم آخر النهار تنقضه أنكاثا، أي: تفسده بعد إحكامه، فقال تعالى: (وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا). النحل92. وحذر النبي صلى الله عليه وسلم من ترك الطاعة بعد التعود عليها فقال لعبد الله بن عمرو: يا عبدالله لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل. وسئلت عائشة رضي الله عنها عن النبي وعبادته فقالت: كان عمله ديمة. متفق عليه. وقال صلى الله عليه وسلم: إن أحب الأعمال إلى الله ما دُووم عليه وإن قل. رواه مسلم. وهذه التحذيرات القرآنية تنطبق على من ذاق حلاوة طاعة الله تعالى في رمضان، فحافظ فيه على الواجبات وترك فيه المحرمات، حتى إذا انقضى الشهر المبارك انسلخ من آيات الله، ونقض غزله من بعد قوة أنكاثا. على الذين كانوا يحافظون على الصلاة فلما انقضى رمضان أضاعوها واتبعوا الشهوات. على الذين كانوا يجتنبون شرب المحرمات ومشاهدة المنكرات وسماع الأغنيات فلما غاب رمضان عادوا إليها قيل للإمام أحمد: متى يجد العبد طعم الراحة؟ قال: إذا وضع قدمه في الجنة. وقال الشافعي: لا ينبغي للرجل ذي المروءة أن يجد طعم الراحة، فإنما هو في هذه الحياة الدنيا في نَصَبٍ حتى يلقى الله. إن الله لا يَمُنُّ عليك بالاستقامة ويذيقك لذتها ويعطيك ثوابها، إلا إذا ثابرت عليها وعملت لها ودعوت الناس إليها، وجاهدت حتى تصل إليها. وعلى الذين كانوا يعمرون المساجد ويداومون على قراءة القرآن، فلما مضى رمضان هجروا المساجد وهجروا القرآن. وقد قال أهل العلم إن من أعظم علامات الرد وعدم القبول عودة المرء إلى قبيح الأعمال بمجرد انتهاء زمان الطاعة. نعوذ بالله من الخذلان. والمؤمن يداوم على عبادة ربه حتى الموت، لقد علمنا ديننا أن العبادة لا تنقطع ولا تنقضي بانتهاء مواسمها، فما يكاد ينتهي موسم إلا فتح الله لنا موسما آخر، فبمجرد انتهاء آخر ليلة من رمضان بدأت بشائر موسم الحج، وهو الأشهر المعلومات في قوله تعالى: (الحج أشهر معلومات). وأولها باتفاق أهل العلم هو بداية شهر شوال. وسن لنا رسولنا الكريم عليه أفضل الصلوات والتسليم، بعد رمضان صيام ستة أيام من شوال كما جاء في صحيح مسلم عن أبي أيوب قال صلى الله عليه وسلم: من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال فذلك صيام الدهر. وليس لانقضاء العبادة غاية إلى الموت كما قال تعالى لنبيه: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ. وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ). الحجر 98-99. وهذا من رحمة الله بعباده إن الله بالناس لرؤوف رحيم. يقول تعالى: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا. يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإنْسَانُ ضَعِيفًا). النساء 27- 28. وإليك أيها المسلم الكريم بعض نصائح السلف الصالح، وهي لا شك نصائح ثمينة وكلمات غالية عظيمة، فإن كلامهم يُحيي القلوب، ويبعث فيها الهمة والنشاط. قال أبو الدرداء رضي الله عنه: لو أن أحدكم أراد سفرا أليس يتخذ من الزاد ما يُصلحه؟ قالوا بلى. قال: سفر يوم القيامة أبعد فخذوا ما يصلحكم. فحجوا لعظائم الأمور، وصوموا يوما شديد حره لحر يوم النشور، وصلوا ركعتين في ظلمة الليل لظلمة القبور، وتصدقوا بالسر ليوم قد عسر. وقال الحسن البصري: إن الله جعل رمضان مضمار لخلقه يتسابقون فيه بطاعته، فسبق قوم ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا، فالعجب من اللاعب الضاحك في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون ويخسر فيه المبطلون. فيا أيها المسلم،

تزود من حياتك للمعاد         وقم لله واجمع خير زاد

أترضى أن تكون رفيق قوم      لهم زاد وأنت بغير زاد

 فاللهم إنا نسألك يا أكرم الأكرمين، ويا أرحم الراحمين، كما مننت علينا بالطاعة في رمضان، أن تمن علينا بها بعد رمضان.. وكما وفقتنا للقرآن في رمضان أن توفقنا له بعد رمضان. وكما وفقتنا للقيام في رمضان، أن توفقنا له بعد رمضان. وكما وفقتنا لفعل الخيرات وترك المنكرات، وإخراج الصدقات. أن توفقنا له بعد رمضان، ووفقنا لعمل الصالحات حتى الممات، آمين. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news