العدد : ١٤٧٢٥ - الثلاثاء ١٧ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٤ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٢٥ - الثلاثاء ١٧ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٤ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

الاسلامي

الإمام محمد الخضر حسين.. التونسي الذي رفعه علمه وجهاده إلى مشيخة الأزهر (31)

الجمعة ٢٩ يونيو ٢٠١٨ - 11:32

بقلم: د. غريب جمعة

نماذج من نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم:

الكتاب الثالث: الخلافة والحكومة في التاريخ

الباب الثالث: الخلافة الإسلامية

قال المؤلف في (ص95): «لم نستطع أن نعرف على وجه أكيد ذلك الذي اخترع لأبي بكر رضي الله عنه لقب خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنا عرفنا أن أبا بكر قد أجازه وارتضاه».

نقض الشيخ: خلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم تعني: القيام مقامه في حراسة الدين وسياسة الناس، ولتحقق هذا المعنى -أي معنى الخلافة- في أبي بكر أطبق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ندائه وخطابه بهذا اللقب، ولكون خطابهم بهذا اللقب صادقًا رضي عنه أبو بكر وآثره على أن يلقب بالملك أو السلطان.

وقد وجدنا في حديث النبي صلى الله عليه وسلم تسمية القائمين بالأمر بعده: خلفاء ففي «صحيح» مسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما».

وفي صحيح مسلم أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وإنه لا نبي بعدي وستكون خلفاء فَتكْثُر، قالوا فبم تأمرنا؟ قال «فُوا ببيعة الأول فالأول».

قال المؤلف في (ص96): ولهذا اللقب روعة وفيه قوة وعليه جاذبية فلا غرو أن يختاره الصديق وهو الناهض بدولة حادثة يريد أن يضم أطرافها من أعاصير الفتن وزوابع الأهواء العاصفة المتناقضة وبين قوم حديثي عهد بجاهلية وفيهم كثير من بقايا العصبية وشدة البداوة وصعوبة المراس ولكنهم كانوا حديثي عهد برسول الله صلى الله عليه وسلم والخضوع له والانقياد التام لكلمته فهذا اللقب جدير بأن يكبح جماحهم ويُلين بعض ما استعصى من قيادهم ولعله فعل.

نقض الشيخ: بحث المسلمون في تاريخ الرجال المشهود لهم بالصدق فيما يقولون والإخلاص فيما يفعلون وقلبوه ظهرًا لبطن فلم يجدوا فيهم من يخادع الناس بالألقاب الدينية ووجدوا كثيرًا منهم لا ينخدعون لمظاهر المرائين أو بهرج المحتالين فأبوبكر أفضل من أن يخدع الناس بلقب «خليفة رسول الله» وأمة فيها عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب أعقل من أن تنخدع للقب لا ينطبق على معنى في صاحبه وأتقى من أن تترك الألقاب الدينية تنصب حبائل لاصطياد أغراض دنيوية ورياسة ملكية.

قال المؤلف في (ص96): حمل ذلك اللقب جماعة من العرب والمسلمين على أن ينقادوا انقيادا كانقيادهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يرعوا مقامه الملوكي بما يجب أن يرعوا به كل ما يمس دينهم.

ثم يواصل قوله في نفس الصفحة: «لذلك كان الخروج على أبي بكر في رأيهم خروجًا على الدين وارتدادًا عن الإسلام والراجح عندنا أن ذلك هو منشأ قولهم: إن العرب الذين رفضوا طاعة أبي بكر كانوا مرتدين وتسميتهم حروب أبي بكر معهم: حروب الردة، ولعل جميعهم لم يكونوا في الواقع مرتدين كفروا بالله ورسوله»، ثم يواصل قوله «وما كانت محاربتهم لتكون باسم الدين، فإن كان ولا بد من حربهم فإنما هي السياسة والدفاع عن وحدة العرب والذود عن دولتهم».

ثم يمعن في تضليله حيث يقول في (ص97): كم نشعر بظلمة التاريخ وظُلمه كلما حاولنا أن نبحث جيدًا فيما رواه لنا التاريخ عن أولئك الذين خرجوا على أبي بكر الصديق فلقبوا بالمرتدين وعن حروبهم تلك التي لقبوها حروب الردة.

نقض الشيخ: لم يكن في تاريخ الحروب ظلمة ولا في محاربة أبي بكرة للمرتدين من ظلم، وحقيقة الحال أنه عندما ذاع نبأ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في أنحاء الجزيرة رفع المضللون رؤوسهم ونشطوا لإلقاء الوساوس في قلوب السذج من الأعراب وأخذ الذين انحشروا في الإسلام رياء يعودون إلى جاهليتهم فأصبح العرب ثلاث طوائف: طائفة استمرت على إسلامها الخالص وهم الجمهور، وطائفة بقيت على الإسلام كذلك إلا أنها جحدت الزكاة على زعم أنها خاصة بزمن النبي صلى الله عليه وسلم وهؤلاء كثيرون ولكنهم أقل من الطائفة الأولى عددًا.

وثالثة الطوائف انسلخت من الإسلام وجاهرت بالردة وهي قليلة بالنظر إلى جاحدي الزكاة وحدها.

ذهب الذين ارتدوا في طغيانهم يعمهون وأرسل منكرو الزكاة وفودًا إلى المدينة المنورة ليفاوضوا أبا بكر رضي الله عنه حتى يقرهم على بدعتهم فأبى لهم ذلك وصمم على مقاتلتهم إذا هم ظلوا على جهالتهم يترددون.

انصرفت الوفود غير ناجحة في وفادتها وعرف أبو بكر أن تلك القبائل المتزلزلة العقيدة متحفزة للوثوب على المدينة المنورة فأقام على أنقابها حرسًا فما لبثوا ثلاثا حتى طرقوا المدينة مع الليل فنهض المسلمون حقا في وجوههم وردوهم على أعقابهم لا يلوون على شيء، ودارت الحرب بين أبي بكر وبين رافعي راية الردة وجاحدي الزكاة فلم يحل الحول إلا والجميع قد راجعوا دين الإسلام وراحت ظلال الأمن والهداية تتفيأ في جزيرة العرب ذات اليمين وذات الشمال.

ثم يتحدث المؤلف عن واقعة قتل مالك بن نويرة فيقول في ص (98):

«دونك حوار خالد بن الوليد مع مالك بن نويرة أحد الذين سموهم مرتدين وهو الذي ضرب خالد عنقه، يعلن مالك في صراحة واضحة أنه لا يزال على الإسلام ولكنه لا يؤدي الزكاة إلى صاحب خالد «أبي بكر». كان ذلك نزاعًا غير ديني، كان نزاعًا بين مالك المسلم الثابت على دينه ولكنه من تميم وبين أبي بكر القرشي الناهض بدولة عربية أئمتها من قريش، كان نزاعًا في ملوكية ملك لا في قواعد دين ولا في أصول إيمان.

نقض الشيخ: ما ادعاه المؤلف أن النزاع بين مالك التميمي وأبي بكر القرشي نزاع في ملوكية ملك لا في قواعد دين فأمر اشتهته نفسه ولذه قلمه، والواقع أن أبا بكر خليفة رسول الله كان يدعو مالكًا المسلم لإقامة قاعدة من قواعد الدين وهي الزكاة ومالك المسلم يأبى إقامة هذه القاعدة ومما يدخل في وظيفة أبي بكر أن يحمل كل طائفة مسلمة على القواعد الشرعية ومما يدخل في وظيفته أن يجمع شمل المسلمين تحت راية واحدة.

حكمة رأي أبي بكر في تلك الحروب:

تأمل ما يقول المؤلف في (ص100): لا نريد البحث فيما إذا كانت لأبي بكر صفة دينية صرفة جعلته مسؤولاً عن أمر من يرتد عن الإسلام أم لا؟

نقض الشيخ: لأبي بكر صفة دينية سياسية جعلته مسؤولاً عن أمر من يعلن الردة عن الإسلام وقد أوفى بعهد الخلافة وألقى عن عاتقه عبء هذه المسؤولية فحمى الجزيرة من وباء الردة وطهرها من رجس الجاهلية فأصبحت أمة مسلمة قوية الحجة بديعة الحكمة: إذا حاربت ظفرت وإذا حكمت عدلت.

ولولا أن أبا بكر فصد عِرْقًا ارتجف في جسم الأمة بدم فاسد لانحرف مزاجها واختل نظامها ولم يجد الخلفاء من بعده أساسًا يقيمون عليهم سياستهم العادلة.

وبعد..

يقول كاتب هذه الصفحات:

والآن بعد أن أريناك هذه النماذج -مجرد نماذج- كما تقدم بحسب ما اتسع له المقام أرجو أن تكون قد انفتحت أمام عقلك للعلم أبواب وكشف الله عن بصر بصيرتك فرأيت برهان ربك على البهتان بلا حجاب.

ولعلك توافقني أن نقض الإمام وثيقة علمية محكمة وحكمة بالغة وحجة دامغة ينبغي أن يقرأها كل داعية يتعرض لدفع الشبهات عن الإسلام.

وتأمل ختام الشيخ طيب الله ثراه حين يقول: 

«فالشعوب الإسلامية لا تبلغ حريتها إلا أن تساس بقوانين ونظم يراعى فيها أصول شريعتها. وكل قوة تضرب عليها قوانين تخالف مقاصد دينها فهي حكومة مستبدة غير عادلة.

فالذين ينقلون قوانين وضعها سكان رومة أو لندرة أو باريز أو برلين ويحاولون إجراءها في بلاد شرقية كتونس أو مصر أو الشام، إنما هم قوم لا يدرون أن بين أيديهم قواعد شريعة تنزل من أفق لا تدب فيه عناكب الخيال أو الضلال، وأن في هذه القواعد ما يحيط بمصالح الأمة حفظًا ويسير بها في سبيل المدنية الراقية عَنَقًا (ضرب من السير) فسيحًا.

ولو قيض الله للشعوب الإسلامية رؤساء يحافظون على قاعدة حرية الأمم، لألفوا لجانا ممن وقفوا على روح التشريع الإسلامي وكانوا على بصيرة من أحوال الاجتماع ومقتضيات العصر، وناطوا بعهدتهم تدوين قانون يقتبس من أصول الشريعة ويراعى فيه قاعدة: جلب المصالح ودرء المفاسد، وبغير هذا العمل لا يملك المسلمون أساس حريتهم ولا يسيرون في سبيل سعادتهم آمنين.

قام في زمن قريب بعض من تخبطه الجهل والغرور، وصاح في وجه حكومة شعب مسلم صيحة المعربد، منكرًا عليها ما قررته في قانونها الاساس من جعل الإسلام دينا رسميا للدولة، وقد ردد المؤلف في نتيجة أبوابه التسعة هذه الصيحة، إذ حاول أن يقطع الصلة بين الدين والسياسة ويحارب آداب الإسلام القاعدة للإباحية الفاسقة كل مرصد، ولكن الفرق بين ذلك الصائح وهذا الصدى: أن الأول وثب على المسألة وثوب أهبل (فاقد التمييز) لا يعرف يمينه من شماله، أما المؤلف فقد أدرك أن الأمة مسلمة وأن الإسلام دين وشريعة وسياسة، وأن هاتين الحقيقتين يقضيان على الدولة أن تضع سياستها في صبغة إسلامية، فبدا له أن يعالج المسألة بيد الكيد والمخاتلة ويأتيها باسم العلم والدين، فكان من حذقه أن التقط تلك الآراء الساقطة خلطها بتلك الشبه التي يخزى بعضها بعضًا، وأخرجها في كتاب يحمل سمومًا لو تجرعها المسلمون لتبدلوا الكفر بالإيمان، والشقاء بالسعادة والذلة بالعزة.

«وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ» (المنافقون: 8).

(وإلى حلقة قادمة إن شاء الله) 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news