العدد : ١٤٧٨٨ - الثلاثاء ١٨ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ محرّم ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٧٨٨ - الثلاثاء ١٨ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ محرّم ١٤٤٠هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

وصار الصراع عرقيا وعقائديا

ذهبت إلى لندن أول مرة فرحا وكأنني بُشِّرت بالجنة، ثم خضت معارك مع حضارة أهلها وكنت الخاسر، وزرتها بعد ذلك عدة مرات، فصارت أثقل مدن الأرض على قلبي بمعمارها الكئيب المكسو بالرماد والسخام، رغم أنني تصالحت مع حضارتها، وربما ما جعلها ثقيلة على قلبي هو أنني عشت فيها لاحقا حينا من الدهر مع عائلتي في منتصف تسعينيات القرن الماضي، وكانت المدينة قد تحولت في تلك الفترة إلى غول مرعب: عنف في الشوارع وعمليات سطو متكررة على المنازل، وفي كل منطقة في لندن صحيفة محلية توزع مجانا، ولا يكاد يمر يوم من دون أن تورد تلك الصحف عدة أخبار عن جرائم مروعة وسرقات بالإكراه واختطاف واغتصاب، بينما لندن السبعينيات التي زرتها لأول مرة وأنا «خالي طرف»، أي لا محمد أو فاطمة، كما نقول في السودان عن الشخص غير المتزوج، وبالتالي لا عيال له، لندن تلك، كانت رائقة وآمنة.

حقيقة الأمر هو أن كل المدن الغربية الكبرى تشهد تصاعدا في معدلات الجريمة، ولكنك تستطيع ان تزورها عدة مرات من دون أن تتعرض لاعتداء جسماني، ذلك أن في كل مدينة مناطق للهشك بشك، ومعظم من يتجولون في تلك المناطق يكونون تحت تأثير سوائل أو بودرة أو أقراص أو «دخاخين» (وقد قرر السودانيون أن أدخنة لا تصلح كصيغة جمع لـ«دخان» فجعلوها دخاخين، وتستخدم غالبا للمبالغة والتهويل، مع أن دخان نفسها تفيد «الجمع»)، وبطريقة هات م الآخر فإنك تستطيع أن تبعد عن الشر دون أن تغني له في تلك المدن بالابتعاد عن المناطق الملغومة (الحمراء)، التي تضج بمن يتعاطون تلك الأشياء، وتفادي السكن في أحياء فيها أقليات كبيرة، لأن شباب تلك الأقليات يشكلون عصابات تتحرش ببعضها البعض، وتصطدم مع البيض، وقد تصبح أنت الضحية لأن لون بشرتك «غلط» في المحل الغلط، وكثير من العرب يعيشون على وهم أنهم بيض، ويذهبون إلى حانات وأندية غالبية روادها من البيض العنصريين، فيتعرضون للمضايقات والضرب المفضي إلى الموت أحيانا.

والخواجات (الغربيون) عموما يسيئون الظن بذوي البشرة السوداء، وتخيل حال شخص مثلي في الأوضاع الراهنة: عربي إفريقي وأسود ومسلم، في زمن صارت العروبة والأفرقة -ولاحقا- الإسلام، تجر البلاوي على كل من يذهب إلى بلد غربي. قبل أعوام قليلة كنت في طائرة صغيرة متجهة من أمستردام في هولندا إلى هامبورغ في ألمانيا، عندما ترنحت وارتجت فجأة بسبب عاصفة رعدية، فصحت بكل عفوية: الله أكبر، وأنا متأكد من أن الارتجاج أخاف معظم ركاب الطائرة، ولكن «الله أكبر» جعلتني هدفا لنظرات خائفة ومتوجسة، ولا بد أنهم حسبوني جعفر بن لادن، أو بن عباس البغدادي. طيب تعمل إيه يا أبو الجعافر كي لا يبلغ عنك الجماعة سلطات الأمن في مطار هامبورغ، بتهمة «لابسة»، لأن عشرين شخصا على الأقل سيشهدون بأنك قلت «الله أكبر»؟ لم أجد حيلة سوى تمثيل دور الخائف من اهتزاز الطائرة، ويبدو أنني أتقنت ذلك الدور (بصراحة كنت خائفا بالجد)، فقد جاءت المضيفة لتطمئنني بأنه «جاست إير بوكيت»، مطب هوائي ليس إلا.

وفي مطار هامبورغ مررت وزوجتي مثل غالبية الركاب عبر الممرات المخصصة للذين لا يحملون أشياء خاضعة للجمارك، ولكن مصارعين أربعة ومعهم امرأة تشبه فاروق الفيشاوي أوقفوني وزوجتي وفلفلوا حقائبنا، وهم يسألوننا أسئلة سخيفة واستفزازية، فمثلا، أمسك بكاميرا تخصني وسألني جون سينا الألماني: فات إز زس؟ ونفس السؤال عن كمبيوتر اللابتوب، وهلم جرا.. ثم عثر في حقيبة يد زوجتي على مصحف صغير وأقسمت في سري أنه لو سألني عنه سأقول له: هات خبير متفجرات ليرد على تساؤلك، ولكنه اكتفى بتوجيه نظرة شك وريبة نحوها ولسان حاله يقول: هي دي بنت لادن والعربيقي المسكين الذي معها من الخلايا النائمة رغم أنوفها.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news