العدد : ١٤٨٥٢ - الأربعاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٥٢ - الأربعاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

وصار الحمام طرفا في الصراع والصدام

خضت -عند أول زيارة لي للندن في أواخر سبعينيات القرن الماضي- صراع الحضارات ببسالة نيابة عن العرب، رغم أن انتمائي إليهم مشكوك فيه، ولا أزعم أنني خضت ذلك الصراع نيابة عن الأفارقة، الذين لا يستطيع مكابر ان ينكر انتمائي اليهم، لأن ارتباط الأفارقة ببريطانيا معزز بعضوية الكثير من البلدان الإفريقية لرابطة الكومنولث البريطاني.

وعرضت في مقالي الأخير هنا كيف صارت كلاب بريطانيا طرفا في ذلك الصراع، عندما دعاني جاري الإنجليزي العجوز إلى بيته لتناول الشاي، ووجدت عنده كلبا كان وزنه نحو 93 كيلوجراما مكعبا، ومنحني الكلب عدة «قداديم»، فقد لحس خدي وقال صاحبه إن تلك اللحسات بوسات، ونحن في السودان نسمي البوسة أحيانا «قدوم» والقدوم هي الفأس الصغير الذي يستخدم في النجارة، وبوسة القدوم تكون عادة من الأطفال لأنهم عندما يريدون تقبيلك يمطون شفاههم، حتى تصبح في هيئة القدوم، ولا يليق بشخص ينتظر منه أصدقاؤه في السودان ان يعود اليهم بحكايات تجنن عن تهافت بنات الخواجات عليه، أن يقول لهم إنه حظي بأول (وآخر) بوسة في لندن من كلب، وقد قضيت عدة ليال وأنا فريسة كوابيس، تنهش فيها الكلاب خدودي، ومن حولهن بنات بيضاوات يضحكن وهن يقلن: هلا يا حفيد عنتر.. أصحابك فاكرين إننا صيد سهل؟ شوف مين الفريسة لما الكلاب تخليك هريسة!!

ولم يكن أمامي من سبيل للحصول على دليل بأنني عشت لندناويا حينا من الدهر، سوى التوجه إلى ميدان ترافلقار حيث الحمام الولوف الألوف، ويلتقط الناس الصور والحمام يجلس على رؤوسهم وأكتافهم، وذهبت إلى ذلك الميدان نحو عشر مرات، اشتريت خلالها كميات مهولة من الحبوب، وكنت أضعها على كفي وهي مفتوحة، فيأتي الحمام ويلتقط منها حبة أو حبتين ويطير مبتعدا عني ليحط على كتف شخص آخر. ونثرت حبات القمح على رأسي وكان شعري آفرو، تستطيع ان تشن من خلاله حرب عصابات، فكانت بعض الحمامات تأتي «على الطاير» وتترك القمح وتنقرني بعنف في فروة رأسي، من دون ان تتكرم بالجلوس على رأسي لتأكل وهي تحس بأنها في غابة طبيعية، فنثرت الحبوب على كتفي ووقفت كأبي الهول لا تهتز خلجة من جسمي، وسعدت ذات مرة لأن حمامة حطت على كتفي لثوان ثم طارت، واكتشفت بعدها أنها استخدمت كتفي كدورة مياه، وعملت عملة يايخة، جعلتني أقاطع ذلك الميدان نهائيا.

 وقبل خمس سنوات وجدت نفسي مصادفة في ميدان ترافلقار، وكان تمثال نلسون وأسد الإمبراطورية وبقية التماثيل في أمكنتها، ولكن أين الحمام؟ لم أر حمامة واحدة، وكنت «حالف» أنني لو صادفت حمامة في وسط لندن سأضربها بالشلوت، وعلمت ان السلطات المحلية في لندن وضعت خطة لتطفيش الحمام من الميدان لأنه قليل أدب، ويستخدم نوافذ المباني القريبة كدورات مياه (كما فعل بكتفي)، وبما أن ذلك القرار تم اتخاذه عندما كان كين ليفنغستون عمدة للندن، تأكدت أنه حارب الحمام لأنه عرف أنه «عنصري»، يفضل الشعوب البيضاء على السود، وليفنغستون معروف بأنه متعاطف مع العرب والأفارقة، فشكرا له لأنه رد اعتباري وانتقم نيابة عني من الحمام.

وقد تكلمت كثيرا عن حبي للحم الحمام، ولا يهمني أن هناك من يقول: ياي سافاج.. متوحش. فحمام ترافلقار جعلني أكثر وحشية تجاه الحمام، والغريب في الأمر أنني وبصفة عامة أحب الحمام ككائن جميل وودود، ولكنني أكره حمام لندن مثل كرهي للصهاينة والنازيين وجماعات العنف. وعندما عشت في لندن في التسعينيات أثناء عملي في بي بي سي كانت لبيتي حديقة جميلة، وكان هناك ثعلب يلتقط ثمار الكمثرى والتفاح التي تتساقط من اشجار الحديقة فأهشه بلطف، لأن جاري حذرني من ان الثعلب يتمتع بحماية وحصانة، ولكن كانت العفاريت تركبني إذا رأيت حمامة في الحديقة فانهال عليها بالشتائم والشباشب.

هذا أيضا صراع حضارات: هم يعتبرون الحمام رمزا للسلام ونحن نعتبره أحلى الطعام، وهم يتركون الثعالب تمرح على كيفها في الحدائق والشوارع وإذا زجرت ثعلبا بعنف اعتبروك متوحشا وعدوا للبيئة.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news