العدد : ١٤٧٨٨ - الثلاثاء ١٨ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ محرّم ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٧٨٨ - الثلاثاء ١٨ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ محرّم ١٤٤٠هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

«سوري» حيث لا ينفع الأسف

كنت قد وصلت إلى لندن في أواخر سبعينيات القرن الماضي، حاملا معي ثلاثة قمصان وبنطلونين، وزوجين من الأحذية، لأنني قدرت ان معظم الملابس التي كنت أتبختر بها في السودان لن تعتبر لائقة أو صالحة للاستخدام الآدمي في لندن. خذ في الاعتبار أنني عملت حينا من الدهر في السفارة البريطانية في الخرطوم، وكان عدد كبير من المعلمين الذين جلست أمامهم طالبا في المرحلتين الثانوية والجامعية بريطانيين، وكانوا شديدي العناية بملابسهم ومظهرهم الخارجي (لسوء حظي لم تكن موضة الملابس المبهدلة معروفة في ذلك الزمان كما هو الحال اليوم، ولكن وبصفة عامة فمازال البريطانيون، يعتنون بالهندمة والأناقة خارج البيوت بعكس الأمريكان الذين يبدو أنهم – في السنوات الأخيرة تحديدا- اتخذوا من الراحل معمر القذافي والمطرب «المضرس» شعبولا قدوة في شؤون الأناقة).

كان من أولوياتنا نحن المبتعثين الخمسة إلى لندن، الذهاب إلى شارع أوكسفورد لشراء ملابس عليها القيمة، ولكننا أصبنا بخيبة أمل لأن الأسعار (كانت نار)، فاشترى كل منا عددا محدودا من الملبوسات، على أمل اكتشاف مكان مشابه لسوق سعد قشرة في لندن، وسعد قشرة تاجر يمني كان يملك بقالة تطل على ميدان في مدينة الخرطوم بحري (بحري تعني شمال)، وحمل الميدان اسمه، وصار لاحقا سوقا شعبية تجد فيها كافة أصناف الملبوسات بفئات سعرية تناسب مختلف الطبقات الاجتماعية. وذات نهار لندني، دخل علينا أحد أفراد مجموعتنا، وطلب منا نذهب معه إلى متجر صغير يبيع الملابس بأسعار أقل من رمزية، وخلال دقائق كنا في المتجر، وكان ما قاله صاحبنا صحيحا: الجاكيت بجنيهين إسترلينيين، والقميص بنصف جنيه والبنطلون من أي شكل ولون بجنيه واحد. وهجمنا على الشماعات، واشتريت نحو 15 قميصا وعشرة بنطلونات وثلاثة جاكيتات، وهناك من أفراد المجموعة من اشترى ضعف ما اشتريته، ووقفنا أمام صاحب المتجر، لدفع قيمة مشترياتنا، فإذا به يتكلم عن ال«ريسيت receipt»، فقلنا له إنه لا حاجة لنا للريسيت ونريد فقط سداد قيمة الملابس، ولكنه طالبنا نحن بإبراز الريسيت، فسألناه بدورنا كيف نبرز ريسيت (إيصال) بضاعة لم نسدد قيمتها، في حين ان الإجراء المتعارف عليه هو أن صاحب البضاعة هو الذي يمنح المشتري الريسيت/ الإيصال.

فجأة زأر الرجل بصوت شعبولي: ريسيييييييت يو باستردرس، فألجمت الدهشة ألسنتنا، ليس فقط لأن الرجل وصفنا بأننا أبناء سفاح، ولكن لأنه من المعهود ان يبتسم التاجر في وجه الزبون «الفنجري» الذي يشتري منه البضاعة بكميات كبيرة، وليس أن يصرخ في وجهه، وكان واضحا أن هناك سوء تفاهم بيننا رغم أننا كنا نتكلم الانجليزية بطلاقة، وبعد قليل جاء الرجل من خلف الكاونتر وأمسك بي من ذراعي بعنف وجرني خارج المحل، وأشار بإصبعه إلى اللوحة المرفوعة عند المدخل، فقرأت الكلمات المكتوبة فيها، ولسوء حظي لم تكن مسرحية شاهد ما شفش حاجة قد ظهرت لأقول له: دا انا غلبان

كان المحل مخصصا للغسيل الجاف والكي الحار، وكانت القيمة المثبتة على القطع التي اخترناها هي كلفة الغسل والكي، ولهذا حسب أننا أصحاب تلك الملابس وأتينا لتسلمها ودفع قيمة الغسل والكي.. وتطايرت من الأفواه كلمة: سوري.. فيري سوري.. ولكن هل تجدي «سوري» مع شخص حوله الغضب إلى زعيم للشبيحة؟ انهال علينا بشتائم تعتبر الشتائم اللبنانية مقارنة بها «مدحًا»، وأدركنا أنه سيترجم الشتائم إلى لكمات فهربنا ركضا بعد ان بعثرنا معظم محتويات المحل، وكما يفعل المجرمون المحترفون أعضاء العصابة الواحدة عندما يتعرضون للمداهمة من قبل الشرطة، ركضنا في اتجاهات مختلفة طلبا للسلامة

وإلى يومنا هذا أعجب كم من الوقت قضاه المسكين في إعادة ترتيب تلك الملابس بحسب الأرقام المخصصة لأصحابها، بل ما إذا كان ذلك ممكنا على الاطلاق، وكانت تلك أصعب معركة في صراع الحضارات.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news