العدد : ١٤٧٨٨ - الثلاثاء ١٨ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ محرّم ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٧٨٨ - الثلاثاء ١٨ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ محرّم ١٤٤٠هـ

في الصميم

لــطفـــــــي نصــــــــــر

كيف كان الوصول إلى ما آلت إليه معضلة التقاعد؟!

    حديث صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة رئيس الوزراء إلى رجال الصحافة والإعلام من خلال مجلسه العامر أمس الأول، كان حديثا نوعيَّا ومختلفا.. وإن كان هذا الحديث النوعيُّ موجهًا بالدرجة الأولى إلى القضية التي مرَّ بها مشروعا قانونيْ التقاعد.

     نُلاحظ أن سموه من خلال هذا الحديث النوعي قد كشف عن جانب جديد في أسلوب معالجة قادة البلاد لما قد يُثار من مشاكل وقضايا تطفو على سطح المجتمع.. حيث أشار سموه إلى أن قادة المملكة وفي إطار السماح بممارسة الديمقراطية في أسمى معانيها يحرصون على أن يتعاطى المجتمع بأسره وكل المواطنين مع مثل هذا النوع من القضايا وغيرها ويتداولوا حيثياتها ويعبروا عن آرائهم وأفكارهم ومواقفهم إزاء قضيةٍ تطرأ على سطح المجتمع مثل قضية التقاعد.. ومن دون أي تدخل مع ملاحظة ما يتردد وما يُطرح وما يدور من خلال ما يسمى بالملاحظة الحذِرة خشيةَ الوقوع في المحذور بعكس ما حصل في دولٍ عربية شقيقة، وهذا الأسلوب في التعاطي النوعي مع قضايا المجتمع رائدُه أولا وأخيرا هو المصلحة الوطنية وهي التي ملؤها وغايتها مصالحُ المواطنين جميعا.

     ولذلك نلاحظ أن هذا الأسلوب الذي ألمح إليه صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة خلال مجلسه في التعامل ديمقراطيا مع قضية التقاعد، وهي قضية لا يمكن ولا يجوز الاستهانة بها بأي حال من الأحوال – قد تم الأخذ به وتطبيقه على أرض الواقع بأفضل وأروع ما يمكن أن يكون التطبيق.

     سمو رئيس الوزراء وفي خضم الوقت المناسب يسعى إلى السلطة التشريعية.. حيث كان مشروعا قانونيْ التقاعد يمران بعنق الزجاجة عند مناقشتهما في مجلس الشورى.. وحيث كان السكوتُ حتى يصدر مجلس الشورى قراره في القضية والذي سيتسبب في مشكلة متشابكة ومعقدة جدا لا يعلم مداها إلا الله وحده.. لذا وجدنا سموه وهو القائد الحكيم الفطين.. لا يستقدم دقيقة واحدة ولا يستأخر أخرى فيدعو رئيس مجلس الشورى إلى اجتماع عاجل ويتحاوران معا طويلا ويتجاوبان منتهيين إلى إطفاء الشرارة التي كانت مؤهَّلة لإشعال القضية.

     وهنا يسارع معالي السيد علي بن صالح الصالح عائدا إلى مجلسه ويدعو إلى اجتماعات سريعة ويتم التوافق على عدم السماح تشريعيا لمجلس إدارة الهيئة العامة للتأمين الاجتماعي بإصدار قرارات سلطوية نهائية يُحدد بمقتضاها مصير التقاعد والمتقاعدين ومعه أرزاقهم ومصير أسرهم، حيث كان قد تم الاتفاق بين رئيس الوزراء ورئيس الشورى على أن تكون القرارات النهائية في هذا الشأن بأيدي رئيس الوزراء بعد عرضها على مجلس الوزراء.. والكل يدرك هنا حسنَ مواقف ونبل نوايا سمو رئيس الوزراء تجاه المواطنين جميعا بمن فيهم المتقاعدون وجميع الموظفين والعاملين.

     ثم يقوم رئيس مجلس الشورى وهو الذي يجسِّد الشخصية التي تحظى بكل الاحترام والثقة من الجميع بالتدخل والعمل على إعادة صياغة مشروعي القانونين التقاعديين والعمل على تضمينهما ما تم الاتفاق عليه مع سمو رئيس الوزراء في صلب الشرعية.

     سمو رئيس الوزراء كان يدرك أن هذه هي حدود سلطاته واجتهاداته من أجل المتقاعدين ومن أجل مصلحة الوطن وكل المواطنين، وأن هناك مساحة أخرى زاخرة بالإنسانية والعطاء والصلاحيات تجاه الشعب ومصالحه وهي التي بغير حدود.. إنها ساحة عطاء وصلاحيات العاهل المفدى جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة.. وهو القائد الآخذ شعبه نحو بر الأمان والخير دائما..          كما كان سمو رئيس الوزراء يدرك أيضا أن ما لدى جلالته هو أهم وأكبر.. وهو الذي سيفاجئ به شعبه الوفي بما يُتوقع بل بأفضل مما يُتوقع، وهذا هو ما جرى وتجسد على أرض الواقع بالفعل عندما فاجأ العاهل المفدى شعبه بقرار سحب مشروعي القانونين وإعادة البحث فيهما من جديد.. وهو الموقف الذي ثمَّنه وأكده وأشاد به الشعب بأكمله وعن بكرة أبيه.. ثم ترك جلالته بقية إكمال المشوار إلى السلطة التنفيذية ومن خلال تعاون سمو رئيس الوزراء مع السلطة التشريعية بغرفتيها.. وهذا هو ما يفسِّر حقيقة ما أشار إليه سمو رئيس الوزراء في مجلسه أمس الأول بأن السياسة العليا لقادة المملكة هي ترك مساحة الديمقراطية فسيحة للشعب كي يمارسها في أسمى مستوياتها ومعانيها.. وكل ذلك مع أعين القادة التي ترقب عدم الوصول إلى المحذور وعدم الوقوع فيه متعظين بتجارب الدول العربية والبعيدة في هذا الشأن.

    يُلاحظ أن سياسة الحكم الديمقراطي العادل والحرص على تطبيقها كما هو مرسوم ومقرر في فكر القادة وضمائرهم وكل ذلك في عفوية ظاهرة ومن دون أي افتعال.. فالقرار دائما ومنذ البداية هو ترك المواطنين بكل فئاتهم ومستوياتهم يتعاملون مع قضية مشروعي التقاعد، وفي ديمقراطية وحرية بالغتين ومن دون أي تدخل من أي جهة.. مع متابعة هذا التعاطي الوطني لا لشيء سوى الحيلولة دون وقوعٍ في المحذور.. ثم بتدخل سمو رئيس الوزراء في لحظة ما قبل وصول القضية إلى منتهاها، وينجح في سحب البساط من تحت الصلاحيات الشاذة التي منحها المشروع إلى مجلس الإدارة التي كانت كفيلة بإشعال القضية لو سُمح بتركها للوصول إلى لحظة التطبيق، مدركا سموه أن هناك مساعي وسلطات ملؤها الخير لدى القائد الأعلى الذي فاجأ الشعب بما هو أفضل حسما وكرما وسخاء ذلك لأن ما جاء به الملك نحو شعبه هو ما كان يحلم به الجميع.

     ولم يتوان سمو رئيس الوزراء لحظة واحدة في تنفيذ ما دعا إليه العاهل المفدى بإعادة بحث مشروعي قانون التقاعد بالتعاون والتنسيق مع السلطة التشريعية.. حيث دعا سموه رئيسي مجلسي النواب والشورى إلى الاجتماع أمس الأول، وإنفاذًا لما ورد في التوجيهات السامية للعاهل المفدى فقد تم خلال هذا الاجتماع الذي بُدئ به مشوار تنفيذ توجيهات حضرة صاحب الجلالة في هذا الخصوص حيث تم الاتفاق على تشكيل لجنة حكومية برلمانية مشتركة لدراسة تصورات جديدة بين السلطتين للوصول إلى صيغة توافقية تكفل الحفاظ على الصناديق التقاعدية وتحفظ حقوق المواطنين.

     ومن محاسن الأمور، ومن منطلق المنظور الشامل للأمور الذي يتمتع به سمو رئيس الوزراء.. فإن لدى سموه الحرص على الوصول إلى حلول ونهايات تحقق المصلحة العليا للوطن والمواطنين.. فقد أفصح سموه أن مصلحة المتقاعدين ليس هي فقط في الحفاظ على حقوقهم ومكتسباتهم وعدم المساس بمزاياهم.. بل إن مصلحة المتقاعدين أنفسهم تقتضي أيضا تأمين الاستقرار المالي للصناديق التقاعدية، وتعزيز قدرتها وتنميتها للوفاء بالتزاماتها تجاه الأجيال المقبلة الذين يمثلون أبناء وأحفاد المتقاعدين.. لذا كما قال سموه بالحرف الواحد «وجب ضمانة استمرارية هذه الصناديق في تقديم خدماتها وتحسينها إلى المتقاعدين والمشتركين».

     ووجدنا سموه يحرص على إطلاق مبادئ صائبة في هذه الخصوص ساندا وداعما بمقتضاها مسيرة التقاعد الأبدية (بإذن الله).. وخاصة عندما قال: «إن الصناديق التقاعدية هي أموال الناس ومحفوظة للناس» ثم قال سموه: «وواجب الحكومة هو ضمان تأدية الصناديق التقاعدية والتأمينية لدورها على الوجه الأمثل وفق الضوابط التي تُنميها وتعزز مصلحة الوطن والمواطنين.

     وللحقيقة.. فهناك ما يجب أن يعلمه الجميع.. وهو أن الحكومة تقدِّم من خلال الميزانية العامة دعما سنويا متواصلا إلى صناديق التأمين الاجتماعي.. وتموِّل بعض المزايا التقاعدية التي يحظى بها المتقاعدون على أرض البحرين.. ولذلك فإننا لا نتوقع غير الخير لنهايات المشوار الذي بدأ سمو رئيس الوزراء رعايته بتوجيهات العاهل المفدى من أجل الوصول إلى الصورة المثلى التي يجب أن تصبح عليها مسيرة ومنظومة التقاعد على أرض المملكة.. مع تمنياتنا وتمنيات الجميع بالتوفيق.

إقرأ أيضا لـ"لــطفـــــــي نصــــــــــر"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news