العدد : ١٤٧٣١ - الاثنين ٢٣ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٣١ - الاثنين ٢٣ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

وفزت بقبلة من كائن ذكر

ذهبت إلى لندن في أواخر سبعينيات القرن الماضي، وكان لي جار بريطاني عجوز في منطقة تافنيل بارك التي انتقلت إلى العيش في غرفة مع عائلة تقيم فيها، يهش في وجهي كلما مررت به ويبادلني التحية، وهذه عادة غير إنجليزية، فالإنجليزي لا يرفع معك التكليف ما لم يلتق بك في عدة مناسبات، وحتى بعد ان يتعرف عليك فإن التحية تقتصر على هاي وباي. وذات مرة كنت أسير مع جين دوران وكانت مساعدة تدريس في المعهد الذي كنت ملتحقا به، وفي محطة للقطارات التقت بشابة وتبادلا التحية بمودة: حالك وأحوالك وماذا فعلت بك الدنيا وتبادلا الذكريات، وفهمت أنهما كانتا تقيمان في نفس الغرفة خلال المرحلة الجامعية، ثم انتهى الحوار بينهما بأن قالت جين: سي يو وِن آي سي يو see you when I see you !! أشوفك لما أشوفك! أشوفك حسب الظروف! أشوفك لو صادفتك مرة أخرى!! سألت جين ما إذا كانت علاقتها بتلك الفتاة قوية، فقالت إنها كانت من أعز أصدقائها وأنها سعدت بلقائها، فسألتها مجددا: وكيف تفسرين حكاية سي يو ون آي سي يو؟ لماذا لم تتفقا على اللقاء مجددا ولماذا لم تسأليها أو تسألك هي عن عنوانك ورقم هاتفك؟ قالت بكل لطاخة: ولماذا كل هذه التعقيدات؟ هذه مرحلة وعلاقة «عدَّت» وانتهت، فقلت لها: عشان كده تربون الكلاب والقطط والسناجب والفئران لعدم قدرتكم على المحافظة على علاقات إنسانية طويلة الأجل.

المهم أن الرجل العجوز ذاك استوقفني ذات مرة وأنا أمر أمام حديقة بيته، في طريقي إلى المعهد الذي كنت أدرس فيه فنون العمل التلفزيوني، وسألني ما إذا كنت من السودان، فلما أتاه الرد بالإيجاب، تهلل وجهه وصافحني، و«صلبني» في الشارع وصار يحكي لي ذكرياته عن العمل في قوة دفاع السودان، ثم انتقاله إلى الاسماعيلية في مصر، فاستأذنت منه لأنني كنت أريد اللحاق بالقطار، فسألني ما إذا كان ممكنا أن أتناول معه كوب شاي بعد عودتي في أول المساء، فقبلت الدعوة بسرور صادق، وفي المساء توجهت من محطة القطار إلى منزله مباشرة، وقرعت الجرس، فسمعت دويا جعل قلبي يهبط إلى مثانتي، كان زئيرا، ولم أتردد في الابتعاد عن البيت بخطى سريعة، معتقدا أنني طرقت باب البيت الخطأ، ولكنني سمعت جاري العجوز يناديني مرحبا. وكان على يمينه دب قطبي في هيئة كلب، ينظر إلي كتلك النظرة التي يوجهها ضابط مخابرات لمعتقل سياسي، لإفهامه بأنه في ورطة، وحاولت فبركة عذر يتيح لي عدم دخول بيت الرجل ولكنني بدأت أتهته وأتمتم بمفردات غير مفهومة: آي آآآي آي... مي ماما فاذر مذر سيستر سي دكتور، وأدرك الرجل أنني خائف من الكلب فطمأنني بأنه «نايس» وديع، كدت أصيح فيه: كيف تكون لكائن ضخم بشع كهذا أي صلة بال «نياسة»؟ ولكنه تقدم نحوي مصافحا بعد أن زجر الكلب وقادني إلى داخل البيت وأنا «أعيط» داخليا.

وجلست على كرسي فاقترب الكلب مني فرفعت رجلي على الكرسي، فطلب مني صاحبنا ان اربت على رأس الكلب، وبعدها سأكتشف أنه «ودود»، ولم أجد الشجاعة لمد يدي في اتجاه الكلب، فإذا به يتقدم ويجلس بين قدمي، وهو ينظر إلي نظرة جعلتني من مستحقي البامبرز، فاستجمعت شجاعتي ولمست رأسه، فلحس يدي، وفجأة وقف على قدميه الخلفيتين ولحس خدي، والعجوز مبسوط.: لوك هي إز كسنق يو.. هي لافز يو!! انتبه إنه يبوسك.. إنه يحبك.. أصدقائي في السودان ينتظرون مني حكايات عن غزواتي النسائية، وبعد شهور في لندن كانت البوسة الوحيدة التي حصلت عليها من كلب. يعني حتى مش «كلبة»! وبعد أن غادرت بيته دخلت غرفتي وغسلت البوسات عشر مرات بالديتول حتى تقشر جلد وجهي الكلب عندنا كلب ابن كلب ومكانه الشارع، ولو باس كلب آدميا في بلداننا استحق الإعدام، وهكذا حال الدنيا، فعندما لا تكون لابن آدم حقوق، فليس من الوارد ان يتمتع حيوان بأي حق.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news