العدد : ١٤٧٩٤ - الاثنين ٢٤ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٤ محرّم ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٧٩٤ - الاثنين ٢٤ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٤ محرّم ١٤٤٠هـ

الثقافي

وهج الكتابة: جـادك الـغـيـثُ!

بقلم: عبدالحميد القائد

السبت ٢٣ يونيو ٢٠١٨ - 10:29

عندما ابدع الأخوان رحباني في الاختيار والتلحين وشدت فيروز بموشحات الكثير من شعراء الأندلس المبدعين، كأن الأندلس قد عادت إلى سابق مجدها ووهجها وعطرها ولكن عبر الكلمات، فالحضارات تتهاوى وتموت ويظل صوت الشعراء مطلاًّ بقوة من ذاكرة الزمن. انه الشعر، هذا الساحر الخالد. فيروز والرحابنة أحيوا الموشحات بفنهم وبجمال الصوت الذي ينساب كالمخمل وكأنه يعبر تخوم الحلم. وها هو صوت الشاعر الأندلسي علي بن عبدالغني الحصري الضرير يأتي من خلف التاريخ جميلاً رقراقًا لأصحاب الذوق الراقي:

يا ليلُ الصبُّ متى غدُه

أقيامُ السَّاعةِ مَوْعِدُهُ

رقدَ السُّمَّارُ فأَرَّقه

أسفٌ للبيْنِ يردِّدهُ

فبكاهُ النجمُ ورقَّ له

ممّا يرعاه ويرْصُدهُ

كلِفٌ بغزالٍ ذِي هَيَفٍ

خوفُ الواشين يشرّدهُ

نصَبتْ عينايَ له شرَكًا

في النّومِ فعزَّ تصيُّدهُ

 ومن خلف الغيوم يأتي صوت لسان الدين ابن الخطيب، صوت أندلسي موشحي في قمة الأناقة والجمال: 

جادكَ الغيـثُ إذا الغيـثُ همـى

يـا زمـانَ الوصـل ِبالأنـدلـسِ 

لـم يكـن وصـلـكَ إلا حلـمـًا

في الكرى أو خلسـةَ المُختلـسِ

في هذا المقال القصير سوف نتحدث عن الشاعر لسان الدين الخطيب واسمه الكامل محمد بن عبدالله بن سعيد السلماني اللوشي الأصل، وهو أندلسي من غرناطة. عين وزيرا عام 733هـ، كان مؤرخا وأديبا وشاعرا فطحلا. في عام 733هـ غادر الأندلس خلسةً إلى جبل طارق واستقر بفاس القديمة في النهاية بعد أن التحق به أبناؤه. أودع السجن بعد أن وجُهت إليه تهمة الزندقة وسلوك مذهب الفلاسفة وأفتى بعض الفقهاء بقتله. ويقال إن سليمان بن داود رئيس الشورى آنذاك أرسل اليه بعض الأوغاد من حاشيته، فدخلوا عليه السجن ليلاً، وخنقوه. 

ترك لسان الدين ابن الخطيب خلفه للمكتبة العربية تراثا فكريا خصبا موزعًا بين الطب والتاريخ والسياسة والتصوف والفقه وأصول وأدب، غير أنه مع شديد الأسف ضاع معظمه وتبعثر في أماكن كثيرة، وكان الحرق والاتلاف نصيب الكثير من مؤلفاته. كتب لسان الدين قصائد كثيرة ورائعة: 

جَاءَتْ مُعَذِّبَتِي فِي غَيْهَبِ الغَسَقِ

كَأنَّهَا الكَوْكَبُ الدُرِيُّ فِي الأُفُقِ

فَقُلْتُ نَوَّرْتِنِي يَا خَيْرَ زَائِرَةٍ

أمَا خَشِيتِ مِنَ الحُرَّاسِ فِي الطُّرُقِ

فَجَاوَبَتْنِي ودَمْعُ العَيْنِ يَسْبِقُهَا

منُ يركبِ البحرَ لا يخشى من الغرق

لا أدري ولست ضليعا بالتراث الشعري القديم، ولكنني أشعر بأن الشعر الأندلسي وخاصة الموشحات هي أجمل ما كتب في تاريخ الشعر العربي من شعر عمودي. تشدني الموشحات الأندلسية بل تتجسدني وتهزني. وهذا هو الشعر، لا يهم رداؤه ولكن كيف يصل اليك ويأسرك.

Alqaed2@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news