العدد : ١٤٨٥٢ - الأربعاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٥٢ - الأربعاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

الثقافي

ســـرديــــات: من حلب إلى باريس.. سرديات الليالي العربيّة بلسان التاجر الحلبيّ حنّا دياب في القرن السابع عشر!

بقلم: د. ضياء عبدالله خميس الكعبيّ *

السبت ٢٣ يونيو ٢٠١٨ - 10:28

«في الصباح ذهبتُ للقاء السيد بول لوكا، الذي كان على أهبة المغادرة، وقفتُ صحبة السيد حنّا المارونيّ الحلبيّ الذي جاء به من حلب واستقدم السيد حنّا معه بعض الحكايات العربية الجميلة جدا، وقد وعدني بكتابتها وإبلاغي إيّاها». هكذا كتب المستشرق الفرنسيّ أنطوان جالان في يومياته بمناسبة التقائه التاجر الحلبيّ حنّا دياب، والمعروف أنَّ جالان كان أول من ترجم ألف ليلة وليلة أو «الليالي العربيّة» إلى الفرنسيّة، وقد كان ذلك في أوائل القرن السابع عشر الميلاديّ. والمعروف كذلك أنَّ جزءًا كبيرًا من حكايات ألف ليلة وليلة بترجمة غالان اعتمدت مصدرين ؛ المصدر الأول المرويات الشفاهية لحنّا دياب، والمصدر الآخر بعض الوثائق المكتوبة التي زعم جالان أنَّ هذا الرواي الحلبي قد زوَّده بها. ويتأسس على هذا الكلام كون بعض الحكايات التي اشتهرت بها ألف ليلة وليلة ومنها حكاية علاء الدين والمصباح السحري لم ترد في أيّ مخطوطة لألف ليلة وليلة، كما بيّن ذلك محسن مهدي الباحث العراقيّ الذي نبَّش في الأصول العربية لليالي العربية، ولن نجد مثل هذه الحكاية سوى في ترجمة غالان الذي زعم أنَّ مصدره في ذلك التاجر السوريّ الحلبيّ حنّا دياب. إذن ثمَّة اختلاق وتزوير حدث في الترجمة الفرنسيّة (ترجمة غالان)، يًضاف إلى ذلك أنَّ غالان اعترف أنه تصرّف كثيرًا في النص العربيّ بالحذف والتعديل بما يتناسب مع ذائقة المتلقي الفرنسيّ في القرن الثامن عشر.

 تذكر الباحثة البرازيليّة كريستياني داميان أنّه «بالرغم من أن ليس لهما وجود إطلاقًا في أي مخطوطة أصيلة لكتاب ألف ليلة وليلة فإن حكايتي «علاء الدين والسراج المسحور» و«علي بابا والأربعون حراميًا» أصبحتا، مع مرور الزمن، حكايتين نموذجيتين لهذا المؤلّف العربيّ المعترف به، وبجدارة، كجزء من الأدب العالميّ. تانك الحكايتان الشهيرتان، مع حكايات أخرى كوّنت الترجمة الغربية الأولى لألف ليلة وليلة، ليس لهما مصدر معروف إلا حنّا دياب». 

 لقد ارتحل حنّا دياب إلى فرنسا في عام 1709, وهناك تعرّف إلى التاجر بول لوكا الذي جعل حنا مترجمًا عنده ووعده بوظيفة في القسم العربيّ من المكتبة الملكية الباريسية (المكتبة الوطنية الفرنسية حاليًا). ولكن حنَّا بقي في باريس بضع سنوات فقط ثم قفل عائدًا إلى حلب، وألَّف كتابًا ضمَّ رحلته الفرنسيّة إلى بلاط الملك الفرنسي لويس الرابع عشر. وقد ترجمت منشورات الجمل هذه اليوميات بعنوان: من حلب إلى باريس (رحلة إلى بلاط لويس الرابع عشر)، ومحققا هذه الرحلة هما أستاذان بجامعة ساو باولو البرازيلية: محمد مصطفى الجاروش وصفاء أبوشهلا جبران.

 كتب حنّا دياب في رحلته الباريسيّة «وفي تلك الأيام صغرت نفسي واتضجرت من السكنه في تلك البلاد. وكان يزورنا كثير أوقات رجل اختيار، وكان موكل على خزانة كتب العربيّة وكان يقرا مليح بالعربي، ويتقل كتب عربي إلى الفرنساوي وهو كتاب حكاية ألف ليلة وليلة، فهذا الرجل كان يستعين فيّ لاجل بعض قضايا ماكان يفهمهم، فكنت أفهمه إياهم. وكان الكتاب ناقص كام ليله، فاحكيت له حكايا الذي كنت بعرفهم، فتمم كتابه من تلك الحكايا. فانبسط مني قوي كثير، ووعدني بان كان لي مسألة حتى يقضيها من كل قلبه». ويُلاحظ على هذا المقطع الوارد في ذكريات جنا دياب الباريسيّة أنَّ المستشرق الذي التقاه وكان يعنيه هو الفرنسيّ أنطوان غالان، ولربَّما تكون ذاكرة حنا دياب ضعفت وعجز عن اسم تذكر اسم هذا الرجل بعد قيامه بتدوين رحلته بعد هذا اللقاء بخمسين عامًا. ونلاحظ أنَّ لغة الكتابة لديه تمتاز بالركاكة وكثرة الأخطاء اللغوية والإملائية بكونها تمثل العربيّة الوسطى بين المحكي العامي والفصحى الأصلية. وتمثل رحلة حنا دياب مصدرًا مهمًا للتعرف إلى أنماط من السرديات العربية الوسيطة في هذه الحقبة، القرن الثامن عشر الميلاديّ. وعن الليالي المزوّرة سيكون مقالي القادم إن شاء الله.

أستاذة السرديات والنقد الأدبي الحديث المساعد، كلية الآداب، جامعة البحرين.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news