العدد : ١٤٧٨٨ - الثلاثاء ١٨ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ محرّم ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٧٨٨ - الثلاثاء ١٨ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ محرّم ١٤٤٠هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

الحيوانات عندهم غير شكل

بعد زيارتي الأولى التاريخية للندن، عدت إليها عشرات المرات، بل أقمت فيها مع عائلتي حينا من الدهر، عندما عملت خبيرا أجنبيا في تلفزيون بي بي سي، (إذا جاء ميكانيكي أوروبي للعمل في ورشة سيارات في دولة عربية، فإنه يفوز بلقب خبير أجنبي، ويذهب عالم عربي ضليع للعمل لدى جهة ما في دولة غربية فلا يفوز بمثل ذلك اللقب، ذلك لأن العرب يوزعون الألقاب المجانية بسخاء، بينما الغربيون ليسوا معنيين بالألقاب والهيلمان والطيلسان، بل بالإنجاز).

المهم أنه مهما تكررت زياراتي لبريطانيا، فسأظل طرفا في صدام الحضارات غير المتكافئ، لسبب بسيط، وهو أنني ظللت أعيش على وهم أن هناك حضارة عربية، بينما العرب والغرب يعملون على «موجات» مختلفة، وإذا تداخلت تلك الموجات حدث تشويش يربك الطرفين، وكنت طوال الأشهر التي قضيتها في لندن طالبا مبتعثا من السودان أدخل في صدامات حضارية أكون فيها الطرف الأضعف، ليس بالضرورة لأنني كنت «متخلفا» ولكن لأنني كنت «أقلية». وتذكروا ان العرب لم يكونوا وقتها قد غزوا لندن، ثم احتلوا أجزاء كاملة منها كما هو حادث اليوم، بل كان الواحد فينا لو التقى شخصا ناطقا بالعربية تلقاه بالأحضان وتبادل معه أرقام الهواتف وعناوين أماكن السكن والدراسة، واليوم تسمع عربيا يخطط لزيارة لندن ويقول: لا لن أسكن في المنطقة الفلانية لأنها متروسة عرب، وشخصيا صرت من هذه الفئة في السنوات الأخيرة، لأنك إذا تجولت في منطقة كوينزواي وشارع إدجوير صيفا أو شتاء من دون أن تدخل أي دكان او مطعم تعود الى بيتك او فندقك و«ريحتك»، بصل وفحم وشحم وتبغ، وكمية دخان الشيشة الذي ينبع من شارع ادجوير وحده أكبر من أدخنة كافة المصانع والورش والمفاعل النووية في إنجلترا، وبالتالي سيأتي يوم يصدر فيه قرار دولي بتغريم العرب كلفة ترقيع ثقب الأوزون بزعم أنهم من تسبب في خرقه، وتسبب في التالي في التغيرات المناخية.

والخواجات «شطار» في مجال «رمتني بدائها وانسلت»، أي أنهم يعملون العَملة ثم يحملون الآخرين مسؤولية ارتكابها، وهكذا كانوا أول من مارس تجارة الرقيق، ويتباهون اليوم بأنهم أول من حارب تجارة الرقيق، ثم ابتكروا القرصنة البحرية، وظلت مهنة الآلاف منهم لقرون، ولما دخل بحارة آخرون سوق هذه التجارة بدأوا في محاربتها، ويصورون اليوم القراصنة الصوماليين على أنهم مجرمون، مع أنهم بعكس القراصنة الإنجليز لا يبدأون غاراتهم على السفن بقتل جميع من عليها من ركاب وبحارة.

المهم أن من تجليات صدام الحضارة الذي كنت طرفا فيه أنني لم أكن أخشى البشر في شوارع لندن في تلك الفترة من السبعينيات، فقد كانت جرائم الشوارع قليلة جدا، ولكنني كنت أعيش في رعب مقيم طوال النهار، وأنا أمشي في الشوارع، بسبب كلابهم التي كانت تحتل معظم الأرصفة. عندنا في السودان لا يخلو شارع من خمسة او ستة كلاب، ولكنها مجتمعة لا تصدر نباحا يخيف أرنبا، بينما كان كل كلب في لندن في حجم وحيد القرن، ولم يكن قد صدر قانون يلزم أصحابها بالإبقاء عليها مربوطة بسيور أو سلاسل أثناء التجوال معها (صدر مؤخرا في سويسرا قانون يقضي بسجن صاحب أي كلب لا يقوم بـ«تفسيحه» يوميا لساعة واحدة على الأقل. ولا أذكر قطّ أن والديّ أخذاني خارج البيت بغرض الفسحة). المهم أن تلك الكلاب كانت أحيانا ترغمني على تغيير خط سيري كل خمسة أمتار: أرى كلبا أمام بيت فأعبر الى الرصيف المقابل، ويظهر على بعد خطوات كلب آخر من النوع «أبو ذيل مقطوع» وهو صنف لئيم من الكلاب ورغم انها سوداء إلا أنها لم تكن تعرف العُشرة، وتكشر وتزمجر في وجهي. فأعود الى الرصيف المقابل وهكذا كنت أمشي في شوارع لندن في «زقزاق» بمفاصل مخلخلة.

وغدا بإذن الله أخوض في تفاصيل دخول الكلاب طرفا في صدام الحضارات.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news