العدد : ١٤٧٢٥ - الثلاثاء ١٧ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٤ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٢٥ - الثلاثاء ١٧ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٤ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

الاسلامي

وماذا بعد رمضان؟ (2)

بقلم: د.علي أبوهاشم 

الجمعة ٢٢ يونيو ٢٠١٨ - 11:12

 

لقد مضى شهر رمضان، مضى بأيامه الفاضلة، ولياليه العامرة، بعد أن كان ملء أسماعنا وأبصارنا، وحديث منابرنا، وزينة منائرنا، وسمر مجالسنا، وحياة مساجدنا، انقضى الشهر، لكن نفحاته لم تنقض فمازالت لذته في قلوب المؤمنين، ونفوس الموفقين، يسيرون على ما كانوا عليه في رمضان من ذكر وعبادة وتلاوة للقرآن واستقامة على الطاعة. يقول تعالى: «إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليه الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون. نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة». فصلت:30-31، وها هو شهر رمضان قد مضى وخلّف الناس بعده بين شقي وسعيد، وفائز وخاسر. لقد فاز في رمضان من فاز بالرحمة والغفران، والعتق من النيران، وهذا هو السعيد حقا، وخسر فيه من خسر لغفلته وتقصيره، واستمراره على الذنوب والعصيان، وهذا هو الخاسر حقا، فليس في كل وقت وأوان تتهيأ مواكب الإحسان، والعاقل الموفق من اغتنم فرص الطاعات، واستثمر ساعاته في المسارعة في الخيرات، ليفوز بجنة عرضها الأرض والسماوات أعدها الله للمتقين، فليت شعري من الفائز منا والمقبول فنهنئه، ومن المحروم فنعزيه بخسارته وضياع فرص الطاعة والقبول، ونحن مازلنا نعيش في آثار نفحات رمضان، يجب علينا أن نقف لنتساءل: ماذا بعد أن انقضى رمضان؟ وما هو حالنا بعد أيام قليلة من رمضان؟ ماذا بعد شهر الرحمة والغفران؟ وماذا بعد شهر التوبة والرضوان؟ ماذا بعد أن اكتحلت عيوننا بدموع المحبة والخوف والرجاء، وعزت جباهنا بالخضوع والذلة لرب الأرض والسماء؟ بعد أن عاينا القرب والإقبال وشاهدناه، القرب من الله لعباده، والقرب من العباد إلى الله، ماذا بعد شهر الجد والاجتهاد والتشمير؟ بعد أن كان القرآن حياتنا، والصلاة والوقوف بين يدي الله لذتنا، وذكر الله غذاءنا؟ بعد أن عايشنا كل ذلك، كان لا بد أن يأتي هذا السؤال، وهو ماذا يجب علينا بعد رمضان بل وبعد كل موسم من مواسم الطاعة؟ إنها الاستقامة على منهج الإيمان، وعدم النكوص والعودة للوراء، وهي الإجابة التي نزل بها الوحي منذ فجر الإسلام الأول في عهد النبوة، حينما سأل أحد الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك؟ 

فأجابه النبي الأمين صَلى الله عليه وسلم وأرشده السائل وغيره من الأمة إلى العلاج الناجع والدواء النافع، فقال: قل آمنت بالله ثم استقم. فإن كان الله قد حباك أيها المؤمن بشجرة الإيمان، فيلزمك أيها الموحد معها وتحت ظلها أن تستقيم وأن تعتصم بالسير على الطريق، وألا تحيد عنه، وذلك بالاستقامة على الطاعة وأعمال الإيمان، إنها العلاج، كما قال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا». فصلت:30،

قال أبو بكر: استقاموا فعلاً كما استقاموا قولاً. قال عمر بن الخطاب: لم يروغوا روغان الثعالب. والمقصود ثبتوا على الطاعة ولم يتغيروا بتغير الزمان والأحوال، فيا من رفعت كفيك في رمضان طالبًا الهداية، زاعمًا الرجوع، مدعيا الإقبال، هل صدقت في زعمك، ووفيت مع الله بعد رمضان؟ أم إنك رغت روغان الثعلب فتعاملت مع الله بذمتين: ذمة رمضانية، وذمة غير رمضانية، ولقيت الله بوجهين، وقد قال النبي صَلى الله عليه وسلم: شر الناس ذو الوجهين. فكان حالك قريبًا من حال المنافقين. «وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ. اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ». البقرة:14، 15. 

ومن الأسباب المعينة على الاستقامة: أولا: المداومة على تلاوة القرآن حيث يجعل المسلم له وردا يوميا من التلاوة، لأن القرآن يهدي للتي هي أقوم. يقول تعالى: «إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا». الإسراء: 9، فإياك أن تهجر القرآن تلاوة وعملا، وقد شكا الرسول صلى الله عليه وسلم هاجر القرآن. يقول تعالى: «وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا». الفرقان: 30، ثانيا: الاستعانة بالله بإعلان الحاجة إليه، وإظهار العبد ضعفه وتقصيره، وحاجته إلى معية الله وتوفيقه، وذلك بطلب التوفيق إليها وعدم الانحراف عنها لأن الذي أقامك لعبادته في رمضان هو الله، وهو وحده القادر على أن يعينك على المداومة والاستمرارية عليها، فليست الاستقامة قوة منك ولا قدرة فيك، ولا فتوة في جنابك، وإنما هي محض منة الله وفضله أن يوفق عباده للطاعة ثم يتقبلها منهم، وهذا الاعتراف منك هو بداية الاستقامة. أما الناظر إلى عمله المحسن الظن بنفسه الذي يظن أن عبادته إنما هي بقدرته وقوته، فهذا يكله الله إلى نفسه، ومن وكله الله لنفسه هلك، ولذلك كان من دعاء النبي صَلى الله عليه وسلم: ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدًا. رواه أبو داود. ثالثا: رفقة أهل الاستقامة. وهذا من أكبر العون عليها، ومن أعظم أسباب الثبات عليها، وقد قال جعفر بن محمد: كنت إذا أصابتني فترة جئت فنظرت في وجه محمد بن واسع، فأعمل بها أسبوعا. وإنما سهلت الطاعة في رمضان لكثرة الطائعين، ووجود القدوات ييسر الأعمال، وإنما الوحشة في التفرد، والغفلة تركب الواحد وهي من الاثنين أبعد، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية. فعليك بالرفقة الصالحة، فهي المعينة على الطاعة، وإياك ورفقاء السوء فإنهم الطريق للهلاك والمعصية. رابعا: مجاهدة النفس: اعلم أن الاستقامة تتأتى بالمجاهدة والمثابرة والمصابرة، مجاهدة للنفس، والهوى، والشيطان، ومثابرة على فعل المأمورات والإكثار من الطاعات، ومصابرة عن الشهوات والمنهيات، وقد تدربت على ذلك كله في رمضان، فلا تُضيعه أو تُهمله قيل للإمام أحمد: متى يجد العبد طعم الراحة؟ قال: إذا وضع قدمه في الجنة. وقال الشافعي: لا ينبغي للرجل ذي المروءة أن يجد طعم الراحة، فإنما هو في هذه الحياة الدنيا في نَصَبٍ حتى يلقى الله. إن الله لا يَمُنُّ عليك بالاستقامة ويذيقك لذتها ويعطيك ثوابها، إلا إذا ثابرت عليها وعملت لها ودعوت الناس إليها، وجاهدت حتى تصل إليها. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news