العدد : ١٤٨٥٢ - الأربعاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٥٢ - الأربعاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

أسود ولكن على مستوى

أذكركم مجددا أن هذا المقال، وما سبقه وما سيتلوه من مقالات، يتعلق بموضوع واحد، وهو تجربة العيش في لندن في أواخر سبعينيات القرن الماضي، واعتزم إصدارها -لو ربنا سهل الأمور- في كتاب يحمل اسم «العربيقي» وهي الصفة التي اكتسبتها في أول زيارة لي للندن، عندما انتبهت لحقيقة أن ملامحي إفريقية، يعني بشرتي سمراء، ولا تشبه بشرة الخواجات الذين كنت أراهم من حولي، وإلى أنني انتميت للعروبة باللسان والعواطف، ولم تكن قبلها مسائل اللون والعرق تشغلني كثيرا، ولا هي تشغلني إلى يومنا هذا، ولكن وجودي في لندن قوى انتمائي للأفارقة والعرب، لأن الغربيين عموما، يجعلون الذي لا ينتمي إليهم باللون يحس بأنه «مختلف»، وبعضهم يتعمد أن يحسسه بأنه «متخلف».

وبصراحة فقد كانت معظم عواطفي في ذلك الزمان مع إفريقيا، بعد أن قرفت من المعلبات العربية من شاكلة تحرير فلسطين من البحر إلى النهر و«المصير المشترك»، و«أمجاد يا عرب أمجاد»، وكانت المنظمات الفلسطينية وقتها مشغولة بالتصفيات الجسدية الداخلية، وأقام الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات جمهورية الفكهاني في بيروت، وصار طرفا في حرب عبثية، أعطت سوريا ذريعة لتحول لبنان إلى ضيعة خاضعة لها، وأنا من الجيل الذي نشأ مشحونا بأدبيات إذاعة «صوت العرب» المصرية، التي كانت تقول لنا إن التخلص من إسرائيل أسهل من خلع ضرس مسوس ومتآكل الجذور، وفي الخامس من يونيو من عام 1967 سمعنا تلك الإذاعة تقول إن الجيش المصري سيصلي المغرب في تل أبيب، وكان الإسرائيليون وقتها قد قضوا على سلاح الطيران المصري وهو رابض في مطاراته، وتم تهريب ما نجا من الطائرات من الدمار إلى قاعدة وادي سيدنا الجوية في السودان، وطارت في تلك الحرب سيناء والضفة الغربية وغزة وهضبة الجولان، ثم جاءت حرب أكتوبر من عام 1973، واجتاح الجيش المصري خلال ساعات الدفاعات الإسرائيلية، وانتقل إلى شرق قناة السويس، بتكتيكات مذهلة (تجدها في مذكرات البطل الحقيقي ومهندس تلك الحرب الفريق سعد الدين الشاذلي الذي كان يشغل منصب رئيس أركان الجيش المصري)، ولكن الرئيس المصري أنور السادات الذي أرادها حرب تحريك وليست حرب تحرير، لم يكن يريد لشخص غيره أن يفوز بمجد الانتصار، وصار يتدخل في مجريات العمليات الحربية، فكانت «ثغرة الدفرسوار»، وعبور فرق إسرائيلية إلى الشاطئ الغربي لقناة السويس، حيث تمكنت من محاصرة الجيش المصري الثالث، فتحول النصر إلى «تعادل»، وعلى كل حال فقد نجح السادات في مفاوضات كامب ديفيد في استرداد سيناء.

وبالمقابل كانت إفريقيا تغلي بحركات تحرر جادة، ووجدت في لندن منظمات عديدة تناهض النظام العنصري في جنوب إفريقيا، فصرتُ نشطا في صفوفها، ورغم أن العديد من البريطانيين البيض كانوا أعضاء فيها، فإن معظم مقار تلك المنظمات كانت في جنوب لندن حيث معظم السكان من السود، وكان لي وزن خاص حتى بين السود، لأنني أسود وإفريقي «أصلي» وليس أسود مقطوعا من شجرة كما سود بريطانيا، ولاحظت أن بعض السود يعاملونني باحترام يرقى إلى التقديس، وكان معظم أفراد هذه الفئة من ذوي الضفائر المجدولة dreadlocks، وفهمت لاحقا أنهم ينتمون إلى طائفة تسمى الراستافاري، وأنهم يقدسون امبراطور إثيوبيا هيلاسيلاسي باعتبار أنه سليل النبي سليمان، وأن خلاص البشرية سيكون على يديه، وكان الامبراطور وقتها قد «أكل هوا» بعد أن أطاح به انقلاب قاده الجنرال تفاري بنتي، الذي سرعان ما انقلب عليه منقستو هايلي مريم ليقيم نظاما اشتراكيا في بلد ليس فيه طبقة عاملة.

المهم أنهم لم يكونوا يميزون بين السودان وإثيوبيا، واعتبروني شخصا مبروكا، والكلمة كلمتي والشورة شورتي، وكنت كلما خالفني شخص أسود في الرأي حول النشاط الذي نود القيام به لنصرة إخوتنا في جنوب إفريقيا أصيح فيه: انكتم يا إفريقي نص كُم، في حضرة جعفر سيلاسي حفيد بلال بن رباح.

وتلك جولة كان لي فيها بعض النصر في صدام الحضارات.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news