العدد : ١٤٨٥٢ - الأربعاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٥٢ - الأربعاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

في الصميم

لــطفـــــــي نصــــــــــر

عندما يكون الصحفيُّ صحفيًّا!!

    كانت ولا تزال نصيحتي إلى الأستاذ أنور عبدالرحمن رئيس تحرير «أخبار الخليج» وأحد كبار مؤسسيها، ومنذ بداية مسيرتها: «إذا جاءك مَن يريد أن يعمل صحفيًّا بـ«أخبار الخليج» فعليك أن تجري له مقابلة سريعة من دون أن تثقل عليه.. لكن إذا حدث وسألك خلال المقابلة: كم ستعطيني؟.. أو ما قيمة راتبي أو أجري؟.. أرجوك أن ترفضه فورا ومن دون أي مناقشة.. ذلك لأن هذا الذي يسألك عن راتبه وحقوقه الوظيفيَّة لا يمكن أن يصلح إلا موظَّفا.. وأنه لا يمكن أن يصلح صحفيًّا.. فالصحافة لا يمكن أن تكون وظيفة.. ذلك لأنها رسالة.. ومن يقبلها فإن ذلك يعني قبولا منه بالتضحية!

    والحقائق تؤكِّد أنه ليس كل من يتخرَّج في كلية الصحافة يصلح صحفيًّا.. ولا حتى كل من حصل على الدكتوراه في الصحافة يصلح صحفيًّا.. وليس شرطا أن من قرأ كل الكتب يصلح صحفيًّا.. وإن أصبح أستاذا بالجامعة أو حتى وزيرا ناجحا!!

   فقد ثبت وتُأكد وبما لا يقبل ذرة واحدة من الشك أن الصحافة موهبة.. شأنها شأن أي موهبة أخرى، ولكن بشرط أن يكون صاحب هذه الموهبة مبدعا، ويُزاد على ذلك أن يكون متفرِّدا بامتلاك ما يسمى «بالحاسة السادسة» وهي التي لا تُكتسب، بل تُعدُّ عطيَّة من الله.

     ومن رأيي الذي أبوح به دائما إلى الأستاذ أنور أيضا هو ألَّا يفرِّط بسهولة في الكفاءات الصحفيَّة الذين عُرفوا بنبوغهم وإبداعاتهم في المهنة.. فهؤلاء قد أصبحوا عملة نادرة في زماننا.. حتى ولو كان تركهم للصحيفة بناء على رغبتهم وإصرارهم.. ذلك لأنه لم يعد من السهل تعويضهم.

     وعندما بدأنا نعدُّ لإصدار «أخبار الخليج» في منتصف القرن الماضي كانت كل وزارات البحرين خالية تماما من أجهزة للعلاقات العامة والإعلام وحتى من موظفٍ واحد مسؤول عن تجهيز وإعداد أخبار وموضوعات الوزارة.. فيما عدا وزارتين لا ثالثة لهما وهما: وزارة الداخلية، ووزارة التربية والتعليم.. حيث كان جهاز الإعلام والعلاقات العامة بكل منهما على مستوى «إدارة عامة».

     ولهذا السبب كان على الصحفي أن يعتمد على نفسه في كل شيء.. كما كان عليه أن يقتحم أبواب كبار المسؤولين في كل صباح.. وكان عليه أن يبذل كل المستحيلات ليظفر منهم بأي تصريحات أو أخبار وإذا أغلقوا الباب في وجهه فعليه أن يدخل من الشباك، وإلا لن تصدر الصحيفة.. أو تصدر ونصف صفحاتها «بيضاء من غير سوء».. ناهيك عن أن عملية استنطاق المسؤولين كانت عملية في غاية الصعوبة، حيث كان التعامل مع الصحفيين بصفة يومية شيئا جديدا عليهم.. إضافة إلى أن أحد القوانين الرئيسية في الحكومة وفي هذه المؤسسات والهيئات الكبيرة تنص على اعتبار أن كل أنشطة وأخبار الوزارة من الأسرار التي لا يجب البوح بها وإلا وجبت المساءلة التي قد تصل إلى درجة التحقيق والمحاكمة.. لذا كان يجب على الصحفي أن يتدرب على كيفية التعامل على استخراج أي خبر ولو كان صغيرا من «فك الأسد»، معرضا نفسه إلى الفتك به في أي لحظة.. ولذلك ظهر جيلٌ من الصحفيين البحرينيين المبدعين عبر سنوات بداية المسيرة في «أخبار الخليج».. ثم سقط مَن سقط من قطار الصحافة غير القادرين على الإبداع والكفاح الذي فرضته المهنة في سنوات البداية.. وبحث الساقطون من القطار عن الوظائف التي هيأهم الله لها.

    أما الآن فقد تغيَّرت الأوضاع تماما.. وأصبحت دور الصحف مع التطورات التكنولوجية والإلكترونية الحديثة وتعدد مصادر الأخبار والموضوعات والأبحاث والدراسات تنهال على الصحف من كل جانب بصفة مستمرة وطوال ساعات النهار والليل، أصبحت الصحف تواجه بسيلٍ من الأخبار والموضوعات «من كل لون».. وأصبح على الصحف بعد أن كانت تبذل جهودا خارقة في البحث عن الأخبار «من فك الأسد» أن تُحسن الانتقاء من بين هذا السيل المنهمر من الأخبار والموضوعات.. وأن تتخلَّص من النسبة العظمى مما ينهال عليها.. وأصبح الصحفي العادي أو التقليدي لا يتعب ولا يكدح ولا يقدح ذهنه كما كان يفعل في الماضي.. فكل شيء يأتيه جاهزا عبر جهاز الكمبيوتر الخاص به أو عبر هاتفه النقال وفي معظم الأحوال يأتيه الخبر مكتوبا جاهزا وفي أعلاه عناوينه.. ولا يتبقى غير أن تحدد الجهة المرسلة إليها الصفحة التي يجب أن تنشر فيها الأخبار والموضوعات التي ترسلها!!

     لهذا كله أصبح الصحفي الحقيقي هو الصحفي الموهوب والمبدع والذي يقدم فنا صحفيا جديدا بأساليب صحفية جديدة وبأسلوب يتمناه القارئ ويستمتع به.. ولذا ندر الصحفيون المبدعون في دور الصحف ووسائل الإعلام في وقتنا الراهن.. وأصبحوا يشكلون «القلة» القليلة، و«الندرة» النادرة.. وحجم أو عدد هؤلاء المبدعين هو الذي يميِّز بين صحيفة وأخرى في هذا الزمان.

     بالأمس دعا الأستاذ أنور عبدالرحمن رئيس التحرير إلى حفل متواضع في قاعة المناسبات بدار «أخبار الخليج»، وقد دُعي إليه جميع العاملين بالدار.. ومعهم كل أسرة التحرير، وذلك على شرف الزميل والصديق العزيز الأستاذ سيد عبدالقادر رئيس القسم القضائي بالجريدة الذي عقد العزم على العودة إلى جمهورية مصر العربية وإلى حياته الصحفية الأولى سواء في مؤسسة أخبار اليوم أو في غيرها.

    وكما قلت للزملاء خلال الاحتفال بالأمس: الصحفيُّ نوعان لا ثالث لهما: نوعٌ تودعه وتسلم عليه بحرارة وتقول له مع السلامة.. وصحفي تحزن عليه وعلى فراقه.. ذلك لأن هذا الفراق يشكل خسارة كبرى من الصعوبة تعويضها في هذا الزمن.

     وهناك إجماعٌ على أن الزميل سيد عبدالقادر هو الصحفيُّ الموهوب والمبدع الذي رضع الصحافة منذ الصغر من صدر مؤسسة أخبار اليوم على أيدي أساتذة كبار أمثال مصطفى وعلي أمين وغيرهم كثيرون تزخر بهم مصر العربية المعطاءة وكل ذلك لم يبخل به سيد عبدالقادر على جريدته «أخبار الخليج» مقدِّما عطاء نوعيِّا مبدعا ومتفردا.. حيث لانت له كل قوالب الفن الصحفي فكانت كلها طيِّعة بين يديه مستجيبة لقلمه: أخبار.. وتغطيات إخبارية.. وتحقيقات صحفية.. وتغطيات رائعة للأحداث والمناسبات والمحاكمات وقضايا المحاكم وأحاديث صحفية، والمقالات التي جسَّد من خلالها الحكمة القائلة «خير الكلام ما قل ودل».

     سيد عبدالقادر لم أودعه بالأمس لأنني مازلت حزينًا على تركه «أخبار الخليج».. وأعتقد أنني سأظل على هذه الحال.. ذلك لأن تعويضه صعب المنال.. وكل ذلك لا يحول بيني وبين أن أدعو له بالتوفيق في حياته ومهمته الجديدة في ربوع القاهرة.

إقرأ أيضا لـ"لــطفـــــــي نصــــــــــر"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news