العدد : ١٤٧٣١ - الاثنين ٢٣ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٣١ - الاثنين ٢٣ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

فضيحة وأنا أهرب من حمامات فاضحة

     ذهبت إلى لندن مبتعثا لدراسة فنون العمل التلفزيوني، ورتَّب لنا «المعهد» السكن في بيت الشباب الكاثوليكي، وكما قلت قبل أيام، فقد كان الاستمرار في البقاء مع الكاثوليك مستحيلا، لسبب رئيسي، وهو أن الاستحمام في الثالثة أو الرابعة فجرا كان أمرا مرهقا ولكن لا بد منه، لأنه لم تكن للحمامات أبواب تستر المستحمين، وكانت تلك الساعات المبكرة هي الأنسب للاستحمام، لأن جميع الحمامات كانت تبقى خلالها خالية من الزبائن قليلي الحياء الذين كانوا يغادرون غرفهم وهم عراة للاستحمام، وحز في نفسي أنني سأبتعد عن محل دجاج كنتاكي الذي كان يديره مصريون، في فينزبوري بارك، وكانوا يتوصون بي خيرا، ويعطونني قطعا إضافية (فوق البيعة) بل صرت أتناول عندهم وجبات عشاء ضخمة بلا مقابل، بعد أن شرحوا لي أنهم وعند إغلاق المحل في نحو العاشرة ليلا، يرمون بما يتبقى من الدجاج المحمر في القمامة، وبالتالي فليس عليهم من حرج منحي عشرين أو ثلاثين قطعة مجانا، إذا زرتهم عند موعد الإغلاق.

     وبمساعدة مكتب الخدمات في المعهد عثروا لي على غرفة في بيت عائلة في تافنيل بارك في منطقة كامدن تاون، واستقبلتني بالترحاب مسز وايت، وكانت بالفعل سيدة وايت، أي بيضاء، وكانت معها بنتان صغيرتان ولاحظت أن إحداهما ذات أنف جعفري، والتقيت لاحقا بزوجها وكان من سود غيانا في أمريكا الجنوبية، وكانت غرفتي كبيرة في الطابق العلوي من البيت، وبها مطبخ صغير ومدفأة، وأهم شيء كان الحمام أمام غرفتي مباشرة والأهم من كل ذلك أنه كان مزودا بباب خشبي متين، ولم تكن بالغرفة ثلاجة ولم تكن لي حاجة بها فقد كان الشتاء قد دخل وكنت أضع الأطعمة التي استخدمها مدة طويلة على حافة النافذة الخارجية التي صارت الفريزر الخاص بي، لأن كل شيء أتركها عليها كان يتجمد، وصارت الحافة الداخلية كثلاجة عادية.

    وفي يومي الأول في غرفتي الجميلة رتبت ملابسي، وقررت الاستمتاع بـ«حمام» طويل الأجل، ودخلت الحمام مزودا بقطعة كبيرة من الليف الطبيعي، وضبطت الماء الساخن مع البارد لدرجة حرارة معقولة وشرعت أفرك جلدي بالصابون والليف وأنا أغني بصوت مرتفع. «ولا يهمني شيء»، فأهل البيت في الطابق الأرضي، وقد قضيت شهورا في بيت الشباب الكاثوليكي وأنا أستحم فقط فجرا وفي صمت تام، وكأنني أرتكب جريمة خوفا من أن يلفت صوتي شخصا ما إلى منطقة الحمامات، فيراني في أحد تلك الحمامات التي كانت من دون أبواب.

    وفجأة تحول غنائي إلى عويل: وااااا، آآآآآآه، يا لطييييف... يا مسز وايت هيلب.. النجدة.. ذلك أن الدش صب على جسمي ماء مثلجا لا يصلح حتى للشرب، وخرجت من تحت الدش وفمي يصدر أصوات عجيبة: أشششش... تكتكتكتك. وجاءت مسز وايت وضربت باب الحمام بعنف وسألتني: آر يو أولرايت؟ هل أنت بخير؟ فهمهمت بصوت متهدج بما معناه أنني لست «أولرايت» بل كل شيء من حولي «رونق». غلط، وكان الانزعاج باديا على صوتها، وسألتني ما إذا كانت أريد منها أن تكسر باب الحمام لأنني عاجز عن فتحه (حسبت المسكينة أنني سقطت داخل البانيو وكسرت رقبتي أو أضلعي)، فطلبت منها أن تمهلني قليلا وارتديت ملابسي وخرجت من الحمام وأنا أرتعد فسألتني: وات هابند؟ ما الذي حدث؟ قلت لها إن الذي هابند هو أن الماء الساخن انقطع عن الدش وانهالت عليّ مياه من القطب الشمالي.

    هنا أدركت أنني انهزمت في معركة أخرى من معارك صدام الحضارات، فقد شرحت لي أن الماء الساخن في الحمام يعمل بالعداد: تحشو العداد بعملات معدنية لتكفيك للاستحمام مدة معلومة وفور انتهاء تلك المدة يختفي الماء الساخن. وجلست نحو ساعة أمام المدفأة وأنا أشرب كوبا ضخما من الشاي أعدته لي مسز وايت وبنتاها الصغيرتان في حيرة من أمر الضيف الذي يصرخ مثل البيبي عندما يستحم.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news