العدد : ١٤٦٩٦ - الاثنين ١٨ يونيو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٤ شوّال ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٦٩٦ - الاثنين ١٨ يونيو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٤ شوّال ١٤٣٩هـ

الاسلامي

آيات في الآيات (29)

الخميس ١٤ يونيو ٢٠١٨ - 09:11

«ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا»

الـ «البي بي سي» قناة مشهورة ومعروفة عالميًا، تطل علينا من خلالها فتاة أنيقة بمظهرها ومعتدلة في مزاجها، ومكتنزة في عقلها، ورحبة في فكرها، وخلفها مكتبة تسُر الناظرين، تقول هناك كتاب في رف مكتبتي ليس كمثل أي كتاب آخر، يدعو الناس للخروج والتعلم حول العالم من أجل فهم أفضل للمكتوب فيه، وتكيل المديح للقرآن الكريم من جوانب علمية وأخلاقية، وبنفس الوقت يطالعنا رجل دين يحتل مساحة إعلامية ذات حيز زمني شبه يومي قائلاً إنه «لم ير ولم يلمح كلمة الحرية في القرآن الكريم» وهو بهذا ينزع العمود الفقري للقرآن وما هو بكفء لذلك، الهدف من إيراد هذه المقارنة هو توضيح الفرق بين قراءتين للقرآن الكريم، والأسف ينبع من أن الثاني قادم من رحم الضاد والأول «المذيعة» من حضارة ولغة مُباينة للغتنا وحضارتنا، والسؤال الحزين كيف يُركن إليه بتثقيف الناس في أُمور دينهم، وهذا يقودنا بالضرورة إلى خطأ جسيم مكث بين أظهرنا أمدًا طويلاً وما زال، وهو القول بالحروف الزائدة في القرآن العظيم ومِثالنا على ذلك هو «ما» الزائدة كما يعتقد البعض، ندعي بأنه كتاب إلهي المصدر ونقول بحروف زائدة «مفارقة» لا تمت للعقل بصلة.

 كثيرًا ما نقرأ في كتب التفسير أن «ما» هي حرف زائد وحددوا موقع الزيادة فقالوا إذا جاءت بعد «إذا» مع أنها هنا لها دلالة غاية في الدقة لا نملك معها إلا أن نخِر لله سُجدًا على دقة إحكامه للقرآن، فعندما تأتي «ما» المفُترى عليها أنها زائدة بعد إذا فإنها تدل على جواب غير متوقع، وهذا لا يتأتى إذا جاءت إذا لا يعقبها «ما» «حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعلمون» المشهد غير متوقع مما يضطرهم للسؤال «لِمَ شهدتم علينا» فيُعاد إليهم الجواب «أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء» فسؤالهم من باب الذهول غير المتوقع أبدًا، وهذا ما قامت به «ما» الواردة بعد «إذا» ولو استحضرنا الآية المقابلة لهذه ونلحظ الفرق في الدلالة «وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طِبتم فادخلوها خالدين» هل فتح أبواب الجنة شيء مثير ومُدهش أم أنه أمر طبيعي وهل إلقاء السلام على زمرة المتقين فيه ما يلفت النظر كشهادة الجلود والاسماع والأبصار على الكافرين، فهل بقي هناك شك أن لا زوائد في القرآن.

وكثيرة هي المواقع التي أُعتبرت فيها «ما» زائدة بحسب رأي البعض كقولهم عندما تأتي بعد «إن» وبعد «كثيرًا» وبعد «قليلاً» وبعد «أيان» هذه أمثلة على المواقع التي تكون فيها «ما» زائدة ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل قالوا بحروف أُخرى زائدة نذكر طرفًا من ذلك حيث قالوا بـ«الباء» الزائدة في خبر ليس «أليس الله بأحكم الحاكمين» والفاء الزائدة تتصل بـ«إذا الفجائية» كقوله تعالى «ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث ينسلون» هذه وتلك من أثر التقعيد والقوالب اللغوية على المُفسرين.

الإقرار الجمعي للأمة العربية والإسلامية ولبعض المُنصفين المُخلصين للحقيقة العلمية من خارج الدارة العربية الإسلامية بأن القرآن وحي سماوي من لدن العليم الخبير وصياغة إلهية بدقة متناهية تُضاهي صياغة الكون دقةً وانضباطًا والتي لا يطالُها الخلل إلا عندما يُؤذن بنهاية العالم حينها فقط يختل النظام ليُستبدل بنظام آخر على كل الصُعد، ومن بديهيات العلوم اللغوية أنّ تقعيد قواعد اللغة العربية جاءت لاحقة للتنزيل الحكيم، ولم تكن سابقة عليه بحال من الأحوال، فأي انحراف أو قصور في تقعيد القواعد وإرساء المُنطلقات لا يُنسب للقرآن بل يعود إلى قصور المجهودات الإنسانية التي أصابت في كثير من اجتهاداتها وأخفقت في البعض منها، ولسنا من المُتخصصين حتى نورد أدلة متتابعة على ذلك، ولكننا لا نعدم إيراد المثال التالي: حيث قعّد سيبويه قاعدة تنص على أن الفعل يُطابق الفاعل في حالات الإفراد والتثنية والجمع، وهذا ينطبق صحته على حالات لا حصر لها لكن ماذا نفعل عندما نقرأ قول الله تعالى في سورة الحج «هذان خصمان اختصموا» لم يحدث الذي قال به سيبويه، ومن قواعد اللغة العربية التي قُعدت بعد نزول القرآن تطابق الفعل والفاعل بالتذكير والتأنيث وهذه القاعدة تصدم بقول الله تعالى في سورة الممتحنة «وإذا جاءك المؤمنات» كيف نفسر جاءك وليس جاءتك كي تتواءم مع الفاعل «المؤمنات» هذه هي الأخطاء البشرية التي ينبغي البحث عن موطن القصور فيها وتعديله لتُناسب المنطق القرآني..... وللقول بقية في هذا الصدد إن شاء الله.

عاطف الصبيحي 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news