العدد : ١٤٧٠٠ - الجمعة ٢٢ يونيو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ شوّال ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٠٠ - الجمعة ٢٢ يونيو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ شوّال ١٤٣٩هـ

الاسلامي

لماذا كانت قِبلةُ العالم في أرضنا؟ (2)

الأربعاء ١٣ يونيو ٢٠١٨ - 10:33

إعداد: د. أحمد علي سليمان

واستكمالا لهذا الموضوع يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: إن اتجاه المسلمين إلى المسجد الحرام في صلواتهم حقٌّ لا ريب فيه، وهي قضية تنظيمية سنَشرح بعد قليلٍ أبعادَها، بَيدَ أن ذلك لا يعني نِسيان الحقيقة في الوصول إلى الكمال الإنساني والرضوان الإلهي. وتَدبَّرْ قولَه تبارَك اسمُه: «ليسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغربِ ولكنَّ البِرَّ مَن آمَنَ باللهِ واليومِ الآخِرِ والمَلائكةِ والكتابِ والنَّبِيينَ وآتَى المَالَ علَى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبَى واليتَامَى والمَساكِينَ وابنَ السَّبِيلِ والسَّائِلِينَ وفي الرقابِ وأقامَ الصلاةَ وآتَى الزكاةَ والمُوفُونَ بعَهْدِهِمْ إذا عَاهَدُوا والصَّابِرِينَ في البَأْسَاءِ والضَّرَّاءِ وحِينَ البَأْسِ أُولئكَ الذينَ صَدَقُوا وأُولئكَ همُ المُتَّقُونَ» (البقرة: 177). إن اليهود يلْتمِسون الشرَّف مِن الانتساب إلى نبي الله يعقوب! والأبُ العظيم لا يرفع شأن بَنِيهِ إذا كانت أعمالُهم هابطةً، وهم يرتبطون بالقُدس والأرض المُقدسة، والأرض لا تُقدِّس أحدًا، إنَّما يتَزَكَّى المرءُ بالهُدى والتُّقَى والعَفاف والعَدالة‍.

ويشير رحمه الله إلى أن الخلاف بين الناس باقٍ إلى قيام الساعة، إنه جُزء مِن طبيعة الحياة، وهو بعض الحِكمة في خلْق الناس! لكن الخلاف مهما اتَّسعت شُقَّته لا يجوز أن يكون مَثَارَ عُدوان وتظالُم، ولا يجوز أن يجعَلَ الحَيفَ حَقًّا، ومِن ثَم قال الله لنبيه: «ولَئِنْ أَتَيتَ الذينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ومَا أنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ومَا بَعضُهمْ بتَابعٍ قِبْلَةَ بَعضٍ ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ مِن بعدِ مَا جاءَكَ مِن العلْمِ إنَّكَ إذا لَمِنَ الظَّالِمِينَ» (البقرة: 145)، والجملة الأخيرة في الآية الكريمة تُشير إلى خصائص أمَّتنا وإلى الرسالة التي كُلِّفَتْ بحَمْلِهَا إلى آخر الدهْر؛ إن العرب عندما يحملون للناس حضارةً فهذه تنفرد بأنها مَوصولة بالسماء، تَعرِف الله وتلتزم هُداه، وتَرفض الفلسفات المادية والرغبات المَجنونة في عبادة الحياة ونِسيان ما بعدها.

وقد شاء الله أن يذكر للعرب وظِيفتهم الدولية عندما جعَل قبلةَ العالَمِينَ في أرضهم، وعندما طالَبَ البشرَ مِن كل مكان أن يوَلُّوا وُجُوهَهم شَطْرَ المسجد الحرام.

فما معنى ذلك؟ الواقع أن القرآن الكريم في سياق تحديده القِبْلة قال للعرب في جلاء: «وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ على النَّاسِ ويكُونَ الرَّسُولُ عليكمْ شَهِيدًا» (البقرة: 143)، والآية تُوضح الوظيفة التي اختارها القدَر لأُمتنا، فإن الله اختار محمدًا ليحمل أماناتِ الوحي وليكون بسِيرته وسُنته أُسوةً حسنة، وقد تلقَّى العرب ذلك منه ليعلِّموا الناس كما تعلَّموا وليهدُوهم كما اهتَدَوا، أو ليكونوا أساتذةً للعالم كما كان محمدٌ أستاذًا لهم! تلك وَظِيفَتُهم التي رفعهم الله إليها والتي لا بد مِن حسابهم عليها. والشهادة على الناس مَنزلة فوق التبليغ العادي، قد يكون المرءُ شاهدًا في قضيةٍ لا علاقةَ له بوَقائعها، كل دوره فيها أنه يقول الحق، فهل هذا دور الأمة العربية في تاريخ البشرية؟ كلا، فربما تَحوَّل الشاهد إلى مُتَّهَمٍ إذا تبين مِن التحقيق أن له أصابعَ في وُقوع الجريمة! والعرب منذُ حَمَلُوا رسالةَ الإسلام وجَبَ عليهم أن يسْتنيروا بها، وأن يرفعوا مَنَارها، وأن يسْتَطِبُّوا بأَدْوِيتِها، ويعالِجوا عِلَلَ العالَم بدوائها، فمسؤوليتهم مُضاعفة؛ الرسول أمام الله يشهد بأنه علَّمهم مِن جَهالة وأقامَهم مِن عِوَجٍ، وهم أمام الله كذلك مُطالَبون بالشهادة على سُكان الأرض أنهم بَلَّغُوهم الوحْي الأعلَى، وقدَّموا من أنفسهم نماذجَ عمليةً للتقوى والإصلاح والإنصاف! ويتساءل الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: تُرَى هل قام العرب بهذه الأمانات؟

ويجيب: إن رباط العُروبة بالإسلام وَثِيقٌ، وهذا الرباط وحده هو الذي يجعل العرب أُمَّةً قائدةً رائدة، فإذا وَهَتْ صِلَتُها به فهي تَخُون أساسَ وُجودها، وهي ستتحوَّل حتْمًا مِن رأسٍ إلى ذَنَبٍ! أو مِن أمة تَدفَع غيرَها نحو الخير إلى أمة يدحرِجها الآخرون إلى الشَّرِّ أو إلى الهاوية! إنني أحببتُ أن أشرح هذه القضية؛ لأن العرب منذ أمَدٍ قريب أو بعيدٍ شرَعوا ينسَونَ أو يتناسَونَ رسالتَهم! بل بدَا لبعضهم أن يستقيلوا من الوظيفة الشريفة التي آثَرَهُم الله بها أو اصطفاهم لها، وسمعنا مَن يقول في جهل فاضحٍ: إن العُروبة شيء والإسلام شيء آخر! وإن العُروبة يمكن أن تَشُقَّ طريقها بغير دينٍ إلى مستقبل مَكينٍ. وقد استجاب نَفَرٌ من الأغرار لهذه الفِرْية، فإذا الأمة المسكينة تَتراجع في كل ميدان وتُلاحقها الهزائم الشائنة في كل أُفق، ولولا بقايا إيمانٍ مَبثوثةٌ هنا وهناك لَحَلَّ بها خزْي الأبد، ولكنها تُقاوم اليوم ببأس شديد مُعتمِدة على مَواريث الإسلام وحْده.. نسأل الله تعالى أن يعيد إلى الأمة أمجادها. 

عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news