العدد : ١٤٧٥٧ - السبت ١٨ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٥٧ - السبت ١٨ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

الاسلامي

حياة رسول الله الأسرية والاجتماعية (28) .. التلطف وحُسن المعشر (1)

الأربعاء ١٣ يونيو ٢٠١٨ - 10:32

بقلم: د. زكريا خنجي

يروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «لبثت سنة وأنا أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن المرأتين اللتين تظاهرتا على النبي صلى الله عليه وسلم فجعلت أهابه، فنزل يومًا منزلاً فدخل الأراك فلما خرج سألته، فقال: عائشة وحفصة، ثم قال: كنا في الجاهلية لا نعد النساء شيئًا، فلما جاء الإسلام وذكرهن الله رأينا لهن بذلك علينا حقًا من غير أن ندخلهن في شيء من أمورنا، وكان بيني وبين امرأتي كلام فأغلظت لي.. الحديث» رواه البخاري.

هكذا بكل بساطة يتحدث أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النساء في الجاهلية حيث التجاهل التام، فهو يقول بكل وضوح: «كنا في الجاهلية لا نعد النساء شيئًا»، وهذا في الزمن الذي يمكن أن نعده أواخر الزمن الجاهلي، فما كان وضع المرأة قبل ذلك؟

وهذه صورة واضحة للمرأة في العصر الجاهلي بكل وضوح، ولكن أن يأتي رجل واحد لا يغير معالم هذه القاعدة وإنما يقلبها على بعضها البعض، ولا يجعل للمرأة قيمة فحسب وإنما يبجلها ويقدرها، ويظهر حبها من غير حرج ولا خوف، ويكمل الفاروق رضي الله عنه جملته فيقول: «فلما جاء الإسلام وذكرهن الله»، هكذا بكل بساطة.

وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ليترجم كل هذه القيم إلى واقع وحياة، عاشها وتعايشها، وبشرها وبشر بها، وفرضها على أمته على مر الأزمان، فالحب عنده صلى الله عليه وسلم هو الحياة، فالحياة السعيدة المبنية على الحب بين الزوجين تجعل القلوب خالية من الأسقام ومفعمة باللذة التي من لم يظفر بها فحياته كلها هموم وآلام. فالحياة بين الزوجين لا بد أن يعمرها الحب الصادق، الحب المتبادل، حب قلبي يظهر على السلوك العملي ابتداء من الابتسامة الصادقة وانتهاء بتحمل أعباء الحياة الثقيلة. وكثيرًا ما تكون مشاعر المحبة موجودة في أعماق الزوجين لكن حتى تزدهر الحياة الزوجية يجب على كل واحد منهما أن يفصح عما في نفسه من محبة تجاه الآخر بالكلمة الجميلة، والهدية اللطيفة، والمفاجأة السارة، وبكل ما يعرفه الأذكياء من فنون كسب القلوب وفن الحب والحياة، بهذه المصارحة العملية المتبادلة نكسر الروتين الممل في حياتنا ونجدد التواصل بين قلبينا.

وعلى هذه المبادئ بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم حياته الزوجية والأسرية، وكان ذلك بمثابة انقلاب اجتماعي للقيم الجاهلية التي لم تكن تعترف بالمرأة، إلى قيم أخرى تختلف تمامًا عن تلك القيم البالية، فتحولت الأسرة وبالتالي تحول المجتمع.

قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره للقرآن الكريم: «وكان من أخلاقه صلى الله عليه وسلم أنه جميل العِشْرَة دائم البِشْرِ، يداعب أهله، ويتَلَطَّفُ بهم، ويوسِّعُهُم نَفَقَته، ويضاحِك نساءَه... ويجتمع نساؤه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان، ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها، وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد، يضع عن كَتِفَيه الرِّداء وينام بالإزار، وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسْمُر مع أهله قليلاً قبل أن ينام، يؤانسهم بذلك صلى الله عليه وسلم».

يروى أن «جارًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فارسيا كان طيب المرق، فصنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعامًا ثم جاء يدعوه، فقال صلى الله عليه وسلم: وهذه؟ (يقصد عائشة رضي الله عنها)، فقال الفارسي: لا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا؛ (وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له إن لم تكن عائشة رضي الله عنها مدعوة فلن آتي أنا أيضًا)، فعاد يدعوه، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهذه؟ (يقصد عائشة رضي الله عنها مرة أخرى) فقال: لا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا، ثم عاد يدعوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهذه؟ قال: نعم في الثالثة، فقاما يتدافعان حتى أتيا منزله»، رواه مسلم.

هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفض بوضوح دعوة على وجبة طعام، على الرغم من أن الطعام لا يطبخ في منزله مدة قد تصل في بعض الأحيان إلى ثلاثة أشهر، إذ إنه لا يأكل إلا التمر والماء، وهذه وجبة أتته من السماء -كما نقول في الكلام الدارج- إلا أنه يرفض الدعوة، ليس لشيء وإنما فقط لأن زوجته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لم تكن من ضمن قائمة المدعوين، كيف يحدث ذلك؟ 

وفي كتابه (كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس؟) كان ضمن الموضوعات التي ركز عليها الكاتب (دايل كارنيج) أن تحدث الشخص الذي أمامك بأحب الأسماء أو الألقاب لديه، فما بالنا إن كنا نتحدث عن الزوج أو الزوجة، فمن أجمل الأمور بالنسبة إليه أو لها أن نناديها بأحب الأسماء إليها، فقد كان صلى الله عليه وسلم ينادي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في بعض الأحيان بتصغير اسمها ويدللها؛ إذ كان يقول (يا عائش) كما ورد في الحديث المتفق عليه عن أبي سلمة أن عائشة رضي الله عنها قالت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا يا عائش، هذا جبريل يقرئك السلام، فقلت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، ترى ما لا أرى (تريد رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وفي أحيان أخرى كان يناديها (يا حميراء)، كما أشرنا سابقًا، والحميراء تصغير حمراء يراد بها البيضاء، بل كان يلقبها بأجمل ما تحب من أسماء؛ فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، كل نسائك لهن كنية غيري، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لها أم عبدالله حتى ماتت ولم تلد قط. رواه الإمام أحمد.

وينقطع بنا الحديث هنا، ومازال للموضوع بقية نكملها غدًا إن شاء الله. 

Zkhunji@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news