العدد : ١٤٧٠٠ - الجمعة ٢٢ يونيو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ شوّال ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٠٠ - الجمعة ٢٢ يونيو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ شوّال ١٤٣٩هـ

الاسلامي

موقف وعبر (48) درس نبوي فعال في تربية الأطفال!!

بقلم: د. نظمي خليل أبوالعطا

الأربعاء ١٣ يونيو ٢٠١٨ - 10:27

يدعي العَلمانيون (بفتح العين) أن من الخطأ تحفيظ الطفل آيات القرآن التي لا يفهم معناها، وهذه خطة شيطانية لصرف أطفال المسلمين عن الارتباط بالقرآن الكريم والدين؛ لأن الكتاتيب التي تقوم بتحفظ الأطفال القرآن الكريم قامت بدور تربوي فعال في بناء أجيال من حفظة القرآن الكريم، وثبت أن من حفظ القرآن الكريم في صغره يتدرب على النطق العربي المبين ويتفوق على أقرانه غير الحافظين للقرآن الكريم في الدراسات غير الشرعية، لذلك كان من السياسة الدنلوبية التي وضعها المعتمد البريطاني لأبناء المسلمين صرفهم عن التربية الإسلامية في الصغر مع قصر المدارس الدينية على أصحاب العاهات وخاصة العميان والعرجان، وجعل التعليم الديني اقل درجة ومكانة في المجتمع، ورفع شأن خريجي التعليم غير الديني المسمى خطأ بالمدني وتفضيلهم في الوظائف والرواتب على خريجي المعاهد الشرعية.

والموقف الآتي يبين حرص النبي محمد صلى الله عليه وسلم على تعليم أطفال المسلمين أسس العقيدة الإسلامية والتعلق بحبل الله المتين والتوكل عليه حق التوكل، بما يربي أجيالاً إسلامية تتحمل المسؤولية على عقيدة صحيحة، وفهم عميق لأسس الدين الإسلامي الحنيف.

الموقف:

يركب الغلام ابن عباس (رضي الله عنهما) خلف المعلم الأول للبشرية سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم)، فيجدها المصطفى (صلى الله عليه وسلم) مناسبة تربوية عظيمة يعلم فيها هذا الغلام أصول دينه، فيناديه صلى الله عليه وسلم قائلاً: (يا غلام إني أعلمك كلمات؛ احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمّة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلاّ بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلاّ بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)، (أخرجه الترمذي والإمام أحمد رضي الله عنهما، وقال الترمذي حديث حسن صحيح).

وفي رواية غير الترمذي: (احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدّة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا)، (رواه الإمام أحمد في المسند، والحاكم في المستدرك).

العبر:

هذا درس عظيم في العقيدة والتوكل على الله والرضى بما قسم الله، والتسليم لقضاء الله وقدره والوثوق في نصر الله وتفريجه الكروب، وتحويل المحن إلى منح والعسر إلى يسر، وبذلك يكون العبد عبدًا مؤمنًا عن يقين متوكلا على الله حق توكله آخذا بالأسباب وهو واثق في توفيق الله، لا يتزلف للمتنفذين ولا ينافقهم ولا يدفع الرشوة أو الهدايا.

 حيث يبدأ الموقف بنشاط استهلالي عظيم يذيب ما بين المتعلم والمعلم من حواجز نفسية، ويبين مدى اهتمام المعلم بمصلحة المتعلم والحرص على تعليمه وتفهيمه، فيناديه سيد المعلمين ومعلهم الأول مناداة ود وحب قائلاً: (يا غلام إني أعلمك كلمات)، وبعد أن يتأكد المعلم من تهيئة المتعلم لتقبل الدرس يقول له:

(احفظ الله يحفظك): كلمة عظيمة مدلولها احفظ حدود الله وشريعته بفعل أوامره واجتناب نواهيه، يحفظك الله في دينك وأهلك ومالك ونفسك، ومن يحفظه الله فهو في رعاية وعناية الملك القادر الذي لا تأخذه سنة ولا نوم ولا تخفى عليه خافية، القادر على كل شيء ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ومن كان في حفظ الله فقد حاز الدرجة العليا من الأمن والأمان من كل مخلوق.

(احفظ الله تجده أمامك): يوفقك لكل خير ويذود عنك كل شيء.

ثم يدخله على بند التوكل الحقيقي (إذا سألت فاسأل الله) واعلم أن سؤال المخلوق هو سبب لعطاء الخالق، ومن كانت هذه عقيدته لا يلجأ إلى الأساليب الملتوية وغير الشريفة من الرشى والتزلف والنفاق وأخذ حقوق الناس.

وهذا يوجب الاستعانة بالمعين القادر الغني (وإذا استعنت فاستعن بالله)، فلا تطلب العون بعد الأخذ بالأسباب إلا من الله، لأن بيده ملكوت السماوات والأرض، وسؤال غير الله -وخاصة من الأموات والمقبورين والأحجار والأشجار والعرافين والسحرة والمشعوذين- يتنافى تمامًا مع الاستعانة بالواحد القهار، وعندما يصل العبد إلى هذه الدرجة من الاستعانة بالله والتوكل عليه فإنه يستيقن أن ما يقع في ملك الله يقع بتقدير الله، فلا يرعب العبد من الكثرة أو السلطان أو الجاه ويخلي عنه التزلف للمتنفذين والمتجبرين والطواغيت والفراعين والمتسلطين، وأن هؤلاء جميعًا غير قادرين على ضررك، إن استعنت بالله وتوكلت عليه حق توكله وقمت بواجبك خير قيام، وأخذت بالأسباب العلمية في المجال الذي تعمل فيه، وتكون نيتك لله، ليكون عملك مستوفيا لشرطي القبول عند الله وهما الإخلاص والصواب، فلا قبول للعمل من دون إخلاص لله، ولا قبول للعمل المخلص من دون الصواب في الأداء.

وإذا وصل المتعلم إلى القناعة بتلك القواعد الربانية فقد عرف وعلم الحدود، فلا كلام بعد هذا الكلام، ولا تعليم يفوق هذا التعليم، لذلك قال صلى الله عليه وسلم للمتعلم (رفعت الأقلام وجفت الصحف) ولا تبديل لكلمات الله.

وكل هذا يحتاج إلى الصبر والأناة والاتقان وعدم القنوط من رحمة الله، لذلك قال له: كلما اشتدت عليك الخطوب وضغط عليك الطغاة والجهلاء (اعلم أن الفرج مع الكرب)، فالدنيا دار ابتلاء وعمل ومكابدة ومجاهدة «فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يسْرًا» (الشرح: 5-6).

ما أعظمه من موقف تعليمي تعلّمي يجب علينا أن نعلمه لأبنائنا وطلابنا في البيوت والمدارس والمصالح الحكومية والخاصة؛ لنوجد أجيالاً قوية الإيمان قوية الأداء أسوياء النفوس يتوكلون على الله حق توكله، ويعيشون سعداء في الحياة الدنيا لا يتطلعون إلى نعم غيرهم تطلع الحاقد الحاسد، ويبحثون عن نعم الله عليهم وهي كثيرة لا تعد ولا تحصى، فإن قيَّم الإنسان قيمة أعضائه البدنية لعلم أنه يمتلك ثروة لا تقدر بمال ولا تقدر عليها ملايين الدينارات والدولارات، وهبها الله تعالى له من دون طلب أو منّ أو إذلال، ويطلب من العبد أن يحفظ الله ليحفظ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، ويوفقه للنعيم المقيم في الدنيا والآخرة.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news