العدد : ١٤٧٥٥ - الخميس ١٦ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٥٥ - الخميس ١٦ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

الاسلامي

مواقف وعبر «47» الآداب الـحـربـيـة فـي الـشـريعة الإسلامية

بقلم: د. نظمي خليل أبوالعطا

الثلاثاء ١٢ يونيو ٢٠١٨ - 10:50

بأسلحة الدمار الشامل وببراميل البارود وقنابل المواد الكيماوية السامة وبالقنابل الذرية قُتل الملايين من بني آدم في حروب لا أخلاقية هدفها الوحيد القضاء على الخصم حتى ولو قُتل معه الأطفال والنساء والحيوان وأهلك النبات ولوثت البيئة وهُدمت المباني.

ولم تعرف البشرية آدابًا للحروب مثل الآداب الإسلامية الإنسانية في القتال والموقف التالي أنموذج يبين آداب الحرب الإنسانية في الشريعة الإسلامية.

الموقف: 

خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جيش مؤتة حتى بلغ ثنيّة الوداع على مشارف المدينة المنورة وهناك أوصاهم صلى الله عليه وسلم قائلاً:

اخرجوا باسم الله، قاتلوا في سبيل الله، عدو الله وعدوكم، إنكم ستدخلون الشام فستجدون رجالاً في الصوامع معتزلين الناس فلا تعرضوا لأحد منهم إلاّ بخير، وستجدون آخرين للشياطين في رؤوسهم مفاحص فافلقوا هامهم بالسيوف، ولا تقتلن كبيرًا ولا فانيًا، ولا صغيرًا ضرعًا، ولا تقتلن امرأة، ولا تُعْرِقُنَّ نخلاً.

- الصوامع: أي أن الشيطان استوطن رؤوسهم فجعلها له مفاحص، كما تستوطن القطا مفاحصها «أي عشوشها».

- الهامة: رأس كل شيء؛ والمعنى: اضربوا رؤوسهم بالسيف.

- صغيرًا ضرعًا: أي الصغير الضعيف.

- ولا تُعْرِفُنَّ: أي لا تقطعن والعزق: القطع.

العبر: 

تضمنت تلك الوصية أرقى قانون للحرب، قانون عجزت حتى الآن كل النظم والتشريعات أن تصل إليه من حيث الإنصاف في معاملة الأعداء، واجتناب الأعمال اللاّ إنسانية من التعرض للنساء والأطفال والعجزة، ورجال الدين المعتزلين بأي نوع من الأذى. لقد كانت توصيات في الآداب الحربية، ودروس في الشرف العسكري، وأُسُس راسخة في المعاملة الإنسانية، والرأفة بغير المحاربين من النساء والشيوخ والأطفال، وتربية عالية شريفة ما سمعت ولا دعت أمة مثلها منذ فجر التاريخ حتى اليوم من غير سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم، إن أرقى الأمم في العصر الحاضر لا تزال في مجال محاولاتهم الالتزام بقانون الشرف العسكري، لا تزال تحبوا حبوًا إذا ما قسنا محاولاتها بما وضعه الرسول صلى الله عليه وسلم في وصيته هذه من قواعد راسخة لقانون الشرف العسكري.

لقد كانت التوصيات التي تزود بها جيش مؤتة من القائد الأعلى للقوات الإسلامية صلى الله عليه وسلم تعد من أعظم وأرقى حرب الفروسية المشرقة على مدى التاريخ الإنساني قاطبة، فلم تعرف أمة من الأمم مثل تلك الآداب الحربية السامية التي كان المسلمون يطبقونها عمليًا في حروبهم ضد أعدائهم والتي تعد بحق وثيقة فعلية تطبيقية لحقوق الإنسان على أرض الواقع، لا حبر على الورق والقرارات وأرفق المنظمات والهيئات الدولية، لقد كان الجندي المسلم يسير بانضباط عجيب مطبقًا الأوامر والتعليمات الصادرة إليه من رؤسائه بصورة تلقائية عفوية، لأنه يعتبر ذلك جزءًا حيويا من دينه الذي يسعى ويحرص كل الحرص على تقديم الصورة الصحيحة عنه - وهكذا كان كل جندي من جنود الإسلام الأوائل قدوة صالحة تمثل الإسلام أصدق تمثيل في كل مكان حل به لقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: اتق الله حيثما كنت.. جزء من حديث رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.

ولقد أدهشت النتائج السريعة الإيجابية لحركة الفتوح الإسلامية جميع المحللين على اختلاف مشاربهم ودياناتهم. ولكن المحلل المنصف ستزول دهشته عندما يقرأ تلك التعاليم والوصايا النبوية لقواد وجنود السّرايا والبعوث والتي هي نواة حركة الفتوح الإسلامية.

وأصبح الذين شاركوا بالأمس في السرايا والبعوث مشاركين اليوم على رأس تلك الجيوش الفاتحة؛ مقتدين بنفس المنهاج سارين على نفس الطريق الذي رسمه لهم قائد الأمة المصطفى صلى الله عليه وسلم، حتى تلك الأوامر والتعاليم النبوية صارت تتكرر على ألسنة الحلفاء، وقادة جيوش الفتح فيما بعد.

لقد كان تطبيق صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الدستور الحربي من أعظم الأسباب التي حببت الإسلام إلى نفوس غير المسلمين فدخلوا في الإسلام طائعين مختارين مستبشرين لأنهم رأوا حقيقة الإسلام متمثلة في سلوك أولئك الأصحاب الكرام الذين رباهم القرآن الكريم، وآدبهم وعلمهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. [غزوة مؤتة والسرايا والبعوث الشمالية، دراسة نقدية، بريك بن محمد بريك أو مايلة، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، المملكة العربية السعودية، رسالة دكتوراة منشورة، ص: 373. ط: 1. 1424هـ].

وإذا قارنا ما طبقه عمليًا المسلمون في حروبهم مع ما قامت به كبرى الدول الحديثة من إلقاء القنبلة الذرية على ناجازاكي وهيروشيما في اليابان في الحرب العالمية الثانية وما حدث من دمار شامل للحرث والنسل والبيئة وما قام به الجيش الأمريكي في العراق من مخازي في سجن أبي غريب، وما قاموا به في أفغانستان وفلسطين وفيتنام، وما قام به حاكم سوريا مع شعبه، وإسرائيل في غزة وفلسطين، لعلمنا أهمية الآداب الحربية التي وصى بها المصطفى صلى الله عليه وسلم جيوش الإسلام وما وصى به الخلفاء الراشدون في تربية العالم على احترام حقوق الإنسان، وحقوق الحيوان والنبات والكائنات الحية والمباني كما أوصى المصطفى صلى الله عليه وسلم وطبقه جيوش المسلمين وجنودهم وقادتهم في ميادين القتال.

ما أحوج العالم إلى الآداب الحربية في الشريعة الإسلامية وإلى الأخلاق الإسلامية في العدالة والوفاء بالوعود والرحمة بالمخلوقين.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news