العدد : ١٤٨١٥ - الاثنين ١٥ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨١٥ - الاثنين ١٥ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

شعار «أمريكا أولا» إلى أين سيأخذها.. وهل سيجلب التضخم العالمي؟

بقلم: حسن الأسود

الثلاثاء ١٢ يونيو ٢٠١٨ - 01:20

من الواضح جدا أن المُتتبع لمسار السياسة الدولية يرصد جيدًا انها تنحى منحى الفردية والتصلب في مسارها العالمي، وذلك لما تنتهجه القوة الدولية الكُبرى الولايات المتحدة من دفعٍ لتفاعل السياسة على مستوى الفضاء الدولي في هذه المرحلة من مسار النظام العالمي، فمنذ وصول ترامب إلى مقاليد ادارة المكتب البيضاوي والولايات المتحدة تتبنى منهجية أُحادية الموقف وبعيدًا عن اي توازن في مراعاة القوى الدولية الكبرى الأخرى كالصين وروسيا، حتى وصل الامر بها إلى عدم وضع اعتبار للمصالح التجارية لشركائها من الغربيين وهو ما قد ينتج عنه عزلة مُحققة للولايات المتحدة من قبل الدول الكبرى في الفضاء الدولي وذلك نتاج تبنيها سياسات منفردة وأحادية التوجه لا تُراعي الا مصالح الولايات المتحدة وعلى حساب مصالح الغير ودونما قبول بمبدأ التوازن أو حتى الشراكة النسبية وبحدودها الدنيا المراعية لمعايير القوة لدى الاطراف المتكافئة الاخرى المؤثرة في الفضاء الدولي وهو ما يعد احد اسس استقرار النظام العالمي، وبمعنى آخر إذا ما استمرت الولايات المتحدة على ذلك النهج اللا مُباليٍ والمُعلن بعدم مراعاة مصالح الغير فإنها حتمًا ستفقد مقدرتها على تحصيل اي اجماع دولي في القضايا الدولية الكبرى حتى من قبل حلفائها الاوربيين، فمنذ ان أعلنت الادارة الأمريكية بقيادة ترامب في الاشهر القليلة الماضية عزمها على فرض تعرفة جمركية مُضافة على بعض المنتجات الواردة إلى أسواق الولايات المتحدة من بعض الدول الكبرى كالصين وروسيا والدول الاوروبية، فإنها بذلك قد دقت ناقوس الاستثارة والتحدي مع تلك الدول الكبرى المماثلة لها بالإنتاج، وفعلاً قد سعت الصين مباشرة ردًّا على ذلك لتبني خيار الرد بالمثل، وها هي روسيا تدفع بنفس التوجه المماثل وبالأمس القريب دخلت أوروبا بالتلويح بنفس ذلك الخيار، فقد حذر وزير المالية الفرنسي برونو لومير من خطر اندلاع حرب تجارية بين الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين وقد طلب من الادارة الأمريكية التراجع عن خططها الجمركية الضرائبية المستجدة على الواردات الاوروبية وذلك لنزع فتيل ازمة قد تنشب بين الولايات المتحدة والدول الاوروبية، وقد صرح وزير المالية الفرنسي لومير بعد اجتماع ضم وزراء مالية مجموعة السبع G7 في منتجع ويسلر بكندا وقال (ليس امام الولايات المتحدة الأمريكية سوى بضعة أيام لتجنب اشعال فتيل حرب تجارية مع حلفائها)، مؤكدا ان على واشنطن وفي اسرع وقت اتخاذ إجراءات تدفع بإلغاء تلك القرارات الضريبية على الواردات الاوروبية وذلك من شأنه وحده ان يخفض درجة التوتر بين مجموعة السبع والولايات المتحدة، وفي ذات الصدد والمناسبة اشار وزير المالية الفرنسي إلى ان الدول الأوروبية جاهزة تمامًا لاتخاذ إجراءات مُماثلة للرد على خطوة التعريفات الجمركية الجديدة التي تُريد الولايات المتحدة فرضها على بعض المنتجات الأوروبية كالصلب والألمنيوم مثلاً، وقد أكد الوزير لومير للصحفيين انه مازال امامنا بضعة أيام لتتخذ الولايات المتحدة الخطوات الضرورية اللازمة بالتراجع وذلك لتُجنب الجميع حربا تجارية ستنشب بينها وبين الاتحاد الاوروبي، مُلّوحًا إلى ان عدم تراجع الولايات المتحدة عن خططها الضريبية تجاه الدول الست من شأنه اشعال تلك الحرب، كما المح الوزير لومير إلى ان الكرة الآن في ملعب واشنطن وفي ما تبقى من أيام قليلة لتتراجع الولايات المتحدة عن خططها الجمركية المستجدة، وأن الامر متروك للإدارة الأمريكية بقيادة ترامب لتبني قرارات اقتصادية صحيحة تجاه حلفائها من الأوروبيين، كما أكد ان تلك المُراجعة الأمريكية لقراراتها هي وحدها كفيلة بنزع فتيل صراع اقتصادي قد ينشب ولا يُعرف عندها كيف ستكون مآله، وهذا التصريح وغيره من المواقف التي برزت حتى من داخل البيت الأمريكي نفسه والتي ترى ان سياسات الادارة الأمريكية الاقتصادية المُنتهجة قد تدفع في اخر المطاف إلى عزلة الولايات المتحدة في مسار العلاقات الدولية، وهو سيترتب عليه زيادة حجم الالتزامات والضغوط المؤثرة في هيبة الولايات المتحدة في الفضاء الدولي امام المنافسين والمناوئين لسياستها عبر قارات العالم، فمنذ فترة ليست بالبعيدة تقدم اكثر من عشرين مفكرا استراتيجيا واقتصاديا أمريكيا إلى الإدارة الأمريكية بالعديد من التحذيرات بعدم انتهاج هذا النوع من الحدة في القرارات الاقتصادية والضريبية تجاه الحلفاء عبر العالم وخصوصًا من الدول الاوروبية التي لطالما كانت الداعم الأول للسيادة الأمريكية على مقاليد القرار الدولي والا فإن الولايات المتحدة ستُصبح بمثل هذا النهج منفردة وارتجالية امام الكثير من العقبات الدولية التي تنوي التصدي لها، وتأكيدًا على ذلك التوجه الأمريكي الاحادي بالأمس القريب وبمُجرد أن أعلنت بعض دول الاوبك عزمها رفع حجم حصتها الانتاجية وفي ظل ارتفاع ملحوظ طارئ في الأيام الأخيرة على أسعار النفط يخدم في تناميه بعض مجموعة دول الاوبك، وإذا بالولايات المتحدة وبسبب انفلات تحرر اقتصادها الرأسمالي وهيمنته سعت شركاتها الانتاجية للنفط إلى زيادة انتاجها في اليوميين الماضيين، ما ادى إلى انخفاض اسعار النفط مجددًا، وهو ما يعني ان الولايات المتحدة اليوم تسعى لفرض هيمنة احادية على كل شيء له علاقة بمسار توازن الاوضاع والاسواق العالمية من السلع والبضائع ودونما مُراعاة لغيرها من الدول في الفضاء الدولي سواء كانوا من الحلفاء أم من المناوئين لسياستها، وتحت ذات الشعار الذي اطلقه الرئيس الأمريكي ترامب ومفاده أمريكا أولا ودونما ضابط، وأن أتى ذلك بالدمار على شبكة علاقات الولايات المتحدة مع حلفائها، ومن الشواهد الماثلة على تبني الولايات المتحدة وانتهاجها قرارات ومواقف دولية كاسرة حتى لقواعد النظام الدولي التواجد العسكري الأمريكي على الاراضي العربية السورية ودونما قرار دولي، كما وإصرارها على نقل سفارتها إلى القدس رغم رفض الاغلبية الدولية لتلك الخطوة وتعارضها مع منهجية عملية السلام المتفق عليها دوليا، وكل تلك التوجهات الأمريكية من شأنها ان تُضعف الموقف الأمريكي امام الكثير من التحديات الدولية، ما سيدفع بالنظام الدولي إلى الكثير من الارتجالية والاضطراب وهو ما سيعود على بلدان وشعوب دول العالم الاضعف باهتزازات لا تُعلم عقباها، وفي ضوء النفث والنفاث المُتصاعد في منطقة الشرق الاوسط لاحتواء انتشار السلاح النووي وردًّا على موقف الولايات المتحدة المتخذ بإعلانها الانسحاب من الاتفاقية النووية المبرمة بين الدول الست وطهران، فقد أعلنت طهران بالأمس (ان صدقت) عزمها على رفع مستوى تخصيبها لدورة حلقات اليورانيوم وقد بعثت برسالة إلى منظمة الطاقة العالمية عن عزمها على استئناف ذلك الخيار وذلك بالرغم من تهديدات الرئيس الأمريكي المُسبقة لها بعدم الذهاب إلى ذلك،  وإذا ما صدق الطرفان في مواقفهما بهذا التحدي المُباشر وهو ما قد يضع الإدارتين الأمريكية والإيرانية امام اختبار جدية صراع الإرادات وبشكل مباشر بين الدولتين رغم تأكدنا من ان الطرفين لا توجد لديهما رغبة حقيقية للمواجهة فيما بينهما، فطهران وطوال ذلك التاريخ الممتد كانت تستخدم حروبها بالوكالة مع الإدارات الأمريكية المتعاقبة لفرض ذاتها كفاعل إقليمي ومؤثر في القرار الدولي، وكان ذلك يتم على حساب الكثير من دماء الاقليات العربية الشيعية ومصالح المنطقة العربية،  فعملية التمويه الاعلامي المُنتهجة من قبل الطرفين لحفظ ماء الوجه امام الاتباع في الوضع الدولي العام وعملية التماهي التي انتهجها الطرفان بشكل مدروس لمواقفهما كلٌّ تجاه الآخر قد ادت إلى استنزاف الكثير من الجهد الدولي والإقليمي وقد آن الأوان لأن يحسم ذلك التماهي بالمواجهة المباشرة مهما كانت النتائج وصولاً لحالة الاستقرار المنشودة في النظام العالمي، ففي المراحل السابقة من التمويه الاعلامي والسياسي بين الطرفين لدينا امثلة كثيرة ومتكررة، ومن ذلك مثلاً إعلان إيران بين الفينة والأخرى اعتراض زوارق أمريكية واحتجاز ملاحيها في مياه الخليج العربي، لكن إيران نفسها اليوم لم تتصد بالرد للضربات الإسرائيلية المُباشرة الموجهة لتواجدها في عمق أراضي الحليف السوري، فأي مفارقة بين تلك المناوشات المفتعلة التي كانت تتم بين الفينة والاخرى في مياه الخليج وبين الصلف الإسرائيلي الحالي والمباشر لكسر الإرادة الإيرانية وطردها من ربوع أراضي الحليف السوري؟ ان إعلان إيران استمرارها لتخصيب اليورانيوم وذلك على اثر انسحاب الولايات المتحدة من تلك الاتفاقية الدولية، ان الولايات المتحدة اليوم تشعر بحس العظمة والكبرياء الاعمى حتى امام مصالح حلفائها من الاوروبيين وهو ادخل وسيدخل العالم في الكثير من اشكالات الفوضى التي عانت منها منطقة الشرق العربي طوال تلك الثلاثين السنة الأخيرة، فهل آن الاوان لتصادم الإرادات بشكل مباشر والذي طال امده كثيرًا لينتج عن ذلك ولادة نظام عالمي جديد أيا كان شكله؟ أم ان الخوف من المواجهة المُباشرة يظل هاجس كل الاطراف القوي منها والضعيف وستظل على اثر ذلك فنون وأساليب الحروب بالوكالة ومدى استنزافها لدماء الاخرين سمة الاوضاع القادمة وإلى اجل اخر غير منظور؟ وللإجابة عن ذلك التساؤل سيكون الامر مرهونا بمدى جدية ترامب وتهديداته وبمدى جدية الإيرانيين.

Hassan alaswad@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news