العدد : ١٤٧٥٥ - الخميس ١٦ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٥٥ - الخميس ١٦ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

جدل في أمريكا حول قانون منحاز إلى إسرائيل

بقلم: د. جيمس زغبي {

الثلاثاء ١٢ يونيو ٢٠١٨ - 01:20

في سنة 2016 مرر مجلس الشيوخ الأمريكي تشريعا جديدا ينطوي على خطورة كبيرة بقدر ما يثير الكثير من التساؤلات. تمثل التشريع الجديد في «قانون الوعي بعداء السامية»، وقد مرره مجلس الشيوخ الأمريكي من دون أن يتيح الفرص لمناقشته بشكل جديد أو التصويت عليه تصويتا حقيقيا. لقد كان هذا التشريع الجديد سيطالب وزارة التربية في الولايات المتحدة الأمريكي بتطبيق مفهوم «معاداة السامية» في تقييم الشكاوى المتعلقة بالتمييز في الجامعات الأمريكية. لقد اعتبر بعض أعضاء الكونجرس أن هذا التشريع الجديد من شأنه أن ينتهك مبدأ حرية الرأي والتعبير في الولايات المتحدة الأمريكية، لذلك فإن مجلس النواب قد أفشل مشروع القانون الذي لفظ أنفاسه ومات. 

في الأسبوع الماضي أعيد إحياء القانون نفسه من دون أي تعديل أو تغيير، ومثلما كتبت سنة 2016، فإن مشروع القانون الجديد ينطوي على خطورة في الوقت نفسه. لم يوضع هذا القانون في حقيقة الأمر لمكافحة معاداة السامية بل إن هذا القانون يرمي في حقيقة الأمر إلى منع أي أنشطة مؤيدة للفلسطينيين في رحاب الجامعات الأمريكية – وهي حقيقة اعترفت بها تلك المنظمات الموالية لإسرائيل التي أسهمت في صياغة مسودة القانون الجديد. 

هذا هو السبب الذي يجعلني أعتبر أن هذا التشريع الجديد المقترح «غبي وخطير». 

لقد وضعت وزارة الخارجية الأمريكية بعض التعليمات والقاعدة التي ترمي إلى مساعدة المسؤولين على رصد مظاهر معاداة السامية في العالم ولم تكن الغاية منها تكميم الأفواه أو تقييد حرية الرأي والتعبير في رحاب الجامعات الأمريكية.

لقد حددت وزارة الخارجية مفهوم عداء السامية ووضعت القواعد والإرشادات والإجراءات، كما أنها حددت اللغة التي يستخدمها الاتحاد الأوروبي من خلال مركز رصد مظاهر العنصرية وكراهية الأجانب وقد جاء في هذا التعريف ما يلي على وجه التحديد: 

«عداء السامية عبارة عن نظرة لليهود قد يتم التعبير عنها من خلال مشاعر الكراهية الموجهة ضد اليهود وهي تشمل الإيحاءات اللغوية والحركات الجسدية التي تنم عن عداء السامية وتكون موجهة إلى الأفراد اليهود وغير اليهود وممتلكاتهم والمؤسسات اليهودية والمؤسسات الدينية بصفة عامة». 

هذا التعريف لمعاداة السامية صحيح بقدر ما هو مفيد على أكثر من صعيد، ذلك أن الكثير من الأمثلة المعاصرة عن معاداة السامية وفق كتاب الإرشادات الذي وضعته وزارة الخارجية الأمريكية يشمل عدة جوانب مثل: اتهام اليهود كشعب بالمسؤولية عن أي جرم حقيقي أو مزعوم يرتكبه فرد يهودي أو جماعة يهودية أو دولة إسرائيل، أو حتى تلك الأفعال التي يرتكبها أفراد أو جماعات من غير اليهود أو ترويج مزاعم أو ادعاءات نمطية تشيطن اليهود وما يتمتع به من قوة كجماعة. 

ورد ذكر هذه الأمثلة وغيرها في الدليل الإرشادي الذي وضعته وزارة الخارجية الأمريكية من أجل رصد مظاهر معاداة السامية في العالم، غير أن هذا الكتيب ينحرف عن مساره عندما يسعى إلى توسيع نطاق هذا المفهوم كي يشمل «معاداة السامية المرتبطة بدولة إسرائيل نفسها»، وقد استدل على ذلك بعدة أمثلة ورد ذكرها أيضا في الدليل الارشادي مثل السعي إلى شيطنة إسرائيل، ونزع الشرعية عنها أو استخدام الخطاب المزدوج في التعامل مع إسرائيل أو «مطالبة إسرائيل بانتهاج سلوكيات وممارسات تكون غير متوقعة وهي بالتالي لا تطلب من أي دولة ديمقراطية في العالم». 

لقد تسبب هذا التوسع في مفهوم «معاداة السامية» في إفراغ الكتيب الإرشادي من محتواه ليغرق في الاعتبارات الذاتية ويستخدمه البعض بالتالي من أجل إسكات أي صوت يوجه انتقادات لدولة إسرائيل.

لا شك أن هذه اللغة مغرقة في الغموض كما أنها تظل مفتوحة على مصراعيها للتأويلات. فعندما بدأ مجلس عمداء جامعة كاليفورنيا تطبيق ما جاء في الكتيب الإرشادي الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية اعترض على ذلك أحد أبرز المساهمين في تحديد مفهوم معاداة السامية كما نبه بقوة إلى الأخطار التي قد تنجر عن الشروع في تطبيق هذه الإجراءات. فقد قال هذا الشخص إن تضمين مثل هذا المفهوم في داخل الحرم الجامعي يمثل فكرة سيئة قد تؤدي إلى تفاقم الأوضاع وتزيد الطين بلة، سواء للطلبة اليهود أو لبقية الطلاب في الجامعة، كما أن تطبيق أن الكتاب الإرشادي من شأنه أن يلحق الضرر بالجامعة ككل. 

وأضاف الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية الفقرة التالية: «إذا أصبح مشروع القانون المقدم تشريعا فإن حرية التعبير السياسي المنتقدة لإسرائيل قد تتعرض للرقابة والتقييد، كما أن الكليات والمعاهد والجامعية قد تعمد إلى قمع الكثير من مظاهر حرية التعبير المنتقدة لإسرائيل والداعمة للحقوق الفلسطينية حتى لا تعرض نفسها لمساءلة وتحقيقات وزارة التربية الأمريكية وربما حرمانها من التمويل». 

إذا كان مشروع القانون خطيرا أو حتى غير ضروري فلماذا العمل على إدخاله وتمريره إذن؟ إن قراءة التوطئة المصاحبة لمشروع القانون تظهر حقيقة النوايا السياسية لهذا التشريع المقترح -أي العمل على إسكات الحركات والأنشطة والطلابية في رحاب الجامعات الأمريكية والتي تنتقد إسرائيل وسياساتها، وخاصة منها الحركة المنادية بمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض عقوبات عليها. 

يتضح لنا من خلال هذه الزاوية أن مشروع القانون المقترح مجرد امتداد لبقية المساعي التشريعية الأخرى في الكونجرس الأمريكي، إضافة إلى المجالس التشريعية في 23 ولاية أمريكية حتى الآن، والرامية إلى حظر أو معاقبة أي أفراد أو كيانات تشارك بأي شكل من الأنشطة في الحركة المنادية بمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض عقوبات عليها. في آخر تطور في هذا الصدد مررت بعض الولايات حتى الآن هذا القانون فيما تفكر ولايات أخرى في مسودة أخرى للقانون. 

إن هذا التمشي خاطئ على أكثر من صعيد، فالإدارة الأمريكية تسعى للتأثير على الجدل الدائر في الجامعات وهي تعمل على دعم طرف من دون الطرف الآخر، كما أنها تهدد طرفا بعينه إذا ما تجاوز الخط التعسفي المرسوم له. 

إن هذه المساعي الراهنة تبعث برسالة إلى الفلسطينيين والطلاب التقدميين اليهود مفادها أن حريتهم في الرأي والتعبير سيتم تقييدها ومراقبتها وأنهم قد يتعرضون للمساءلة والعقوبات مستقبلا. فإذا استخدم طالب في إحدى الجامعات الأمريكية كلمة «وحش» في نعت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على وجه الخصوص أو إذا اتهمه أو اتهم الجيش الإسرائيلي بشن «عدوان وحشي في قطاع غزة» فهل يجد هذا الطالب نفسه متهما وفق هذا القانون المقترح بالشيطنة؟

وإذا تحدث الطلاب في إحدى الجامعات الأمريكية عن «التطهير العرقي» الذي مارسته إسرائيل سنة 1948 من أجل تهجير وتشريد الفلسطينيين وإذا ركز هؤلاء الطلاب في أنشطتهم السياسية على انتقاد إسرائيل واحتلالها للأراضي الفلسطينية من دون أن يقولوا أي شيء عن الاحتلال التركي لقبرص أو الاحتلال الروسي لجزيرة القرم وشرق أوكرانيا – فهل يمكن أن يتهم هؤلاء الطلاب بالسعي إلى نزع الشرعية عن إسرائيل وباعتماد خطاب قائم على «الازدواجية في الخطاب»؟

إن هذه المساعي التي تبذل في الوقت الراهن ستؤدي إلى إسكات الأنشطة المؤيدة للفلسطينيين في الجامعات الأمريكية، كما أنه من شأنها أن تزيد في تقوية الجماعات الطلابية المؤيدة لإسرائيل مما سيمكنها من زيادة الشكاوى التي يرفعونها ضد المنظمات والأساتذة الجامعيين المؤيدين للحق الفلسطيني  في الولايات المتحدة الأمريكية. 

إن ما يثير السخرية هو أن كل النقاشات والسجالات التي تجري في الوقت الراهن قد قلبت الواقع رأسا على عقب. أنا أتفهم أن بعض الكلام والتعليقات الجارحة والمشينة قد قيلت كما أتفهم «انزعاج» الجماعات الطلابية المؤيدة لإسرائيل في بعض الأحيان، كما أتفهم أن هذه النقاشات والتعليقات قد تجعل هؤلاء الطلاب الموالين لإسرائيل يشعرون أحيانا بأنهم في بيئة «معادية». 

لكن بالمقابل لا يوجد ما يبرر تجاهل المضايقات والتهديدات والثلب الذي يتعرض له الطلاب الذين ينتصرون لحقوق الفلسطيني ويدافعون عنه، في حقيقة الأمر فإن هؤلاء الطلاب هم الذين يجدون أنفسهم وسط بيئة معادية كما أنهم هم الذين يجدون أنفسهم مستهدفين من الحملات الممولة على أعلى مستوى والذين يتعرضون للتهديدات والمضايقات. عندما يكتب العرب الأمريكيون مقالات رأي في الصحف التي تنشر في المدارس فإن التعليقات التي تصدر تأتي مليئة بالتعصب والكراهية الموجهة ضدهم. 

خلاصة الأمر، بلغ السجال والجدال أحيانا مستوى الحضيض حيث إن الطلاب من مختلف الأطراف قد تجاوزوا الحدود المسموح بها. عندما تحدث مثل هذه الانزلاقات فإنه يتعين على الجامعات أن تبذل قصارى جهدها كي تنمي آداب التعامل السجال والجدال وتسهم بالتالي في خلق بيئة من شأنها أن تشجع على الانفتاح على مناقشة كل المسائل الخلافية والمثيرة للجدل. هذا هو ما نحن في حاجة إليه. لسنا في حاجة إلى المساعي الرامية إلى إسكات الجدال لأن ذلك سيعود بنتائج عكسية ويؤجج مشاعر الكراهية ويزيد من الانحدار إلى الحضيض. 

لعل ما زاد في حيرتي ومخاوفي أن مجلس الشيوخ الأمريكي قد وافق هذا الأسبوع، بأغلبية 49 صوتا للجمهوريين و46 للديمقراطيين، على تعيين كنيث ماركوس كمساعد لوزير التربية للحريات المدنية وهو سيكون بالتالي مسؤولا عن الإدارة التي ستتولى معاقبة الكليات والجامعات التي يتضح أنها خرقت مفهوم معاداة السامية. 

 

‭{‬ رئيس المعهد العربي الأمريكي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news